السعادة بين الحقيقة المعقدة والرقمنة الساذجة

 

 

 

  • د. حيدر بن أحمد اللواتي **

 

تُعد السعادة من أبرز الأهداف التي تسعى إليها المجتمعات والأفراد على حد سواء، ومع تزايد الاهتمام بهذا الجانب، ظهرت مؤشرات عالمية تهدف إلى قياس السعادة وتقييم جودة الحياة في الدول المختلفة، ومن بين هذه المؤشرات، يتصدر تقرير مؤشر السعادة العالمي المشهد، حيث يعتمد على مجموعة من المعايير الموضوعية التي تعكس الجوانب المختلفة للرفاهية.

ويأخذ تقرير مؤشر السعادة العالمي في الاعتبار عوامل رئيسة مثل الدخل الفردي، والدعم الاجتماعي، ومتوسط العمر المتوقع، ودرجة الحرية في اتخاذ القرارات، ومستوى الشفافية في الحوكمة، لكن السؤال المهم هو: هل هذه المعايير تشكل إطارًا متكاملًا لقياس جودة الحياة، وتوفر صورة دقيقة عن مدى تحقيق السعادة في مختلف البلدان؟

السعادة ليست مجرد شعور عابر أو حالة مؤقتة، بل هي مفهوم عميق ومعقد يتداخل مع معايير الرفاهية التي نستخدمها لتقييم جودة حياتنا. لكن من المهم أن ندرك أن السعادة ليست هي الرفاهية، وليست مفهومًا مرادفًا لجودة الحياة، بل وحتى المعايير الموضوعة للرفاهية وجودة الحياة ليست ثابتة أو موضوعية بشكل مطلق، فقد تتغير وتتبدل بناءً على قيمنا الشخصية، ومصالحنا، وأهدافنا في الحياة. تمامًا كما أوضحت الفيلسوفة إليزابيث بارنز في حديثها عن مفهوم الصحة، فإن السعادة، بل وحتى الرفاهية وجودة الحياة، ليست مفاهيم يمكن قياسها بمقياس واحد أو قائمة ثابتة من المعايير.

وفي كثير من الأحيان، تُعتمد معايير الرفاهية وجودة الحياة على مقاييس موضوعية مثل الدخل، ومستوى التعليم، والحالة الصحية، أو حتى العمر المتوقع. إن هذه المؤشرات تقدم لنا صورة ملموسة وسهلة القياس عن جودة الحياة، لكن هل تعكس فعلًا ما يجعل الإنسان سعيدًا؟ هنا تكمن المشكلة: هذه المقاييس قد تخفي تحت ستار الموضوعية تفضيلات وقيمًا معينة تُفرض على الأفراد، مما يقلل من حرية الاختيار ويغفل التنوع البشري فيما يعنيه "أن أكون سعيدًا".

والهوس الذي يصيبنا بصورة لافتة للنظر ويجذبنا إلى هذه التصنيفات والمعايير، ربما يكون بسبب السهولة والبساطة التي توفرها لنا هذه التصنيفات، والتي يمكن لنا أن نصل من خلالها إلى الاستنتاجات دون مشقة تُذكر. فقط عليك أن تعرف كيف تقرأ الأرقام. أما ما تخفيه هذه الأرقام ومدى دقتها في تصوير الواقع، فأمر نادرًا ما يتم الاهتمام به، بل لا يتم الاهتمام به عادة إلا من أهل التخصص الذين يُلمّون بكواليس هذه التصنيفات وثغراتها. ولذا فالكثير منهم قد لا يوليها أهمية كبيرة؛ فهي لا تعدو سوى كونها مؤشرًا من المؤشرات. أما غير المختص، فسهولة التقييم تغطي على مسامعه وتضع على بصره غشاوة، فيُقبل عليها ويعتبرها قاطعة دون أدنى تردد.

والسعادة مفهوم معقد ومفتوح يتضمن حرية الاختيار، فما يمنح شخصًا ما شعورًا بالسعادة قد يختلف جذريًا عما يختاره شخص آخر. مثلًا، قد يرى أحدهم أن السعادة تعني القدرة على تحقيق إنجازات مهنية كبيرة، بينما يضع آخر قيمة أكبر على الوقت المخصص للعائلة أو الاستمتاع بالهوايات. إن هذه الاختلافات تعكس أن السعادة ليست مجرد مجموعة من المؤشرات الموضوعية، بل هي انعكاس للقيم والاهتمامات الشخصية.

هذا يضعنا أمام تحدي إعادة التفكير في كيفية وضع معايير للسعادة، فاعتمادنا فقط على مقاييس مثل متوسط العمر المتوقع، ومعدلات الإصابة بالأمراض، ودخل الفرد، أو حتى الناتج القومي الإجمالي، قد يمنعنا من رؤية الصورة الكاملة. فهذه المقاييس تعطي وزنًا أكبر لطول الحياة أو تجنب المخاطر، ولكننا قد نجد شخصًا ما يختار ممارسة رياضة محفوفة بالمخاطر رغم احتمال الإصابة أو الموت؛ لأن ذلك يمنحه شعورًا بالحرية والتحقق الذاتي، وهو ما يثمنه أكثر من مجرد تجنب الألم أو الإصابة أو حتى الموت. وبالمثل، قد يفضل آخرون نمط حياة بسيطًا وبعيدًا عن ضغوط النجاح المهني والدخل المرتفع؛ لأنه يعزز لديهم شعورًا بالسلام الداخلي والسعادة.

من هنا، يتضح أن معايير السعادة يجب أن تكون مرنة وقابلة للتكيف مع التنوع البشري، ولا يمكننا وضع قائمة واحدة من "أفضل الممارسات" التي تناسب الجميع؛ لأن السعادة مرتبطة بتلك الاختيارات الشخصية التي نحددها بناءً على ما نؤمن به ونعتز به وما نرغب في تحقيقه في حياتنا.

هذه المرونة في فهم السعادة أيضًا تحمي الفرد من الوقوع في فخ "غسيل المفاهيم" وتحويلها إلى معايير موضوعية جامدة تفرض عليه نمط حياة معينًا، فبدلًا من ذلك، تسمح لنا بالاعتراف بأن لكل شخص طريقته الخاصة في العيش بسعادة، وأنه من حقه أن يختار تلك القيم التي تعبر عن ذاته.

علميًا، يمكننا قياس بعض جوانب الرفاهية مثل الدخل، والصحة البدنية، أو مستوى التعليم، ولكن هذه المقاييس لا تلتقط الجوهر الحقيقي للسعادة التي تتعلق بالشعور بالرضا والسلام النفسي.

إن السعادة والرفاهية وجودة الحياة ليست مجرد أرقام على ورقة أو مؤشرات إحصائية، بل تجارب شخصية تتشكل من خلال اختياراتنا وقيمنا. ولذا فإن علينا إعادة تعريف السعادة وعدم تقييدها بمعايير عالمية لمستوى الرفاهية وجودة الحياة، وأن نعتبر هذه المعايير أحد المؤشرات التي ربما تشير إلى بعض جوانب جودة الحياة والسعادة، فالسعادة الحقيقية عند البعض ربما لا تتوافق مع عدد من معايير السعادة التي خطها مؤشر السعادة العالمي.

** كلية العلوم، جامعة السلطان قابوس

الأكثر قراءة

z