الرؤية- أحمد السلماني
على امتداد ما يقارب القرن من الزمن، تحولت بطولة كأس العالم لكرة القدم إلى أرشيف تاريخي ضخم يوثق تطور اللعبة وأبطالها ولحظاتها الخالدة؛ فمنذ انطلاق النسخة الأولى في أوروغواي عام 1930 وحتى مونديال قطر 2022، لم تكن الأرقام مجرد إحصاءات جامدة، بل شواهد حية على تغير موازين القوى وظهور أجيال صنعت تاريخ اللعبة الأكثر شعبية في العالم.
ويبقى المنتخب البرازيلي صاحب الحضور الأبرز في سجلات البطولة، إذ يُعد المنتخب الوحيد الذي شارك في جميع نسخ كأس العالم، كما يتربع على قمة المتوجين بخمسة ألقاب أعوام 1958 و1962 و1970 و1994 و2002. وتنعكس هذه الهيمنة في أرقامه التاريخية، حيث خاض أكبر عدد من المباريات وحقق أكبر عدد من الانتصارات، إضافة إلى تصدره قائمة المنتخبات الأكثر تسجيلاً للأهداف، فضلاً عن امتلاكه أطول سلسلة انتصارات متتالية وأطول فترة دون خسارة في تاريخ المونديال.
وفي المقابل، تميز المنتخب الألماني بثباته واستمراريته عبر الأجيال، إذ نجح في ترسيخ مكانته كأحد أكثر المنتخبات حضوراً في الأدوار المتقدمة، مدعوماً بمجموعة من أبرز نجوم البطولة عبر التاريخ، أمثال لوثار ماتيوس وميروسلاف كلوزه وجيرد مولر.
وعلى المستوى الفردي، يتصدر الألماني ميروسلاف كلوزه قائمة الهدافين التاريخيين لكأس العالم برصيد 16 هدفاً، متقدماً على البرازيلي رونالدو صاحب الـ15 هدفاً. ورغم صعوبة هذا الرقم، فإن الفرنسي كيليان مبابي يظل أحد أبرز المرشحين للاقتراب منه مستقبلاً، بعدما وصل إلى 12 هدفاً وهو لا يزال في سنواته الأولى على الساحة الدولية.
أما الأرجنتيني ليونيل ميسي فقد كتب فصلاً استثنائياً في تاريخ البطولة، بعدما أصبح أكثر اللاعبين مشاركة في مباريات كأس العالم برصيد 26 مباراة، وشارك في خمس نسخ مُختلفة، وقاد منتخب بلاده إلى لقب مونديال قطر 2022. كما سجل الرقم الأعلى في عدد دقائق اللعب بتاريخ البطولة، مؤكداً مكانته كأحد أعظم اللاعبين الذين مروا على المونديال.
ورغم تطور كرة القدم الحديثة، لا تزال بعض الأرقام عصية على الكسر، أبرزها الرقم القياسي لعدد الأهداف في نسخة واحدة والمسجل باسم الفرنسي جوست فونتين، الذي أحرز 13 هدفاً في مونديال 1958، وهو إنجاز صمد لأكثر من ستة عقود رغم زيادة عدد المباريات وتطور الأساليب الهجومية.
وتحمل سجلات كأس العالم العديد من الإنجازات النادرة، مثل تسجيل الروسي أوليج سالينكو خمسة أهداف في مباراة واحدة أمام الكاميرون عام 1994، بينما يبقى الإنجليزي جيف هيرست اللاعب الوحيد الذي سجل ثلاثية "هاتريك" في نهائي كأس العالم خلال نسخة 1966.
وفي سجلات الأعمار، ما زال الأسطورة البرازيلية بيليه يحتفظ بلقب أصغر لاعب يسجل هدفاً في تاريخ البطولة، في حين يُعد المصري عصام الحضري أكبر لاعب يُشارك في كأس العالم، بينما يحتفظ الكاميروني روجيه ميلا بلقب أكبر لاعب يسجل هدفاً في البطولة.
كما شهدت البطولة مباريات دخلت التاريخ بأرقامها اللافتة، مثل فوز المجر على السلفادور 10-1 عام 1982، ومواجهة النمسا وسويسرا عام 1954 التي شهدت 12 هدفاً، لتبقى الأعلى تهديفياً في تاريخ كأس العالم.
وعلى صعيد الجماهير، لا يزال نهائي 1950 بين البرازيل وأوروغواي في ملعب ماراكانا يحمل الرقم القياسي للحضور الجماهيري بما يقارب 173 ألف متفرج، فيما سجلت الولايات المتحدة 1994 أعلى معدل حضور إجمالي في تاريخ البطولة.
أما مونديال قطر 2022 فقد شهد بدوره أرقاماً استثنائية، إذ أصبح الأكثر تهديفاً في تاريخ كأس العالم برصيد 172 هدفاً، كما شهد وصول المغرب إلى نصف النهائي كأوَّل منتخب أفريقي يُحقق هذا الإنجاز، إلى جانب النهائي التاريخي بين الأرجنتين وفرنسا الذي جمع ميسي ومبابي في واحدة من أعظم مباريات البطولة.
ومع اقتراب كأس العالم 2026 بالنظام الجديد الذي سيضم 48 منتخباً، تبدو العديد من السجلات مُهددة بالتغيير نتيجة زيادة عدد المباريات والفرص المتاحة للاعبين والمنتخبات. ومع ذلك، تبقى بعض الأرقام مرتبطة بظروف استثنائية يصعب تكرارها، لتظل شاهداً على حقب مختلفة من تاريخ اللعبة.
وفي النهاية، تبقى أرقام كأس العالم أكثر من مجرد إحصاءات، فهي ذاكرة حية لكرة القدم العالمية، تحكي قصص الأبطال والمنتخبات واللحظات التي صنعت أمجاد البطولة الأكبر على وجه الأرض.
