الرؤية- أحمد السلماني
تتجه أنظار العالم، عند الساعة الحادية عشرة مساء الثلاثاء بتوقيت مسقط، إلى ملعب دالاس في مدينة أرلينغتون بولاية تكساس الأمريكية، حيث يلتقي المنتخبان الفرنسي والإسباني في قمة استثنائية ضمن نصف نهائي كأس العالم 2026، في مواجهة تجمع بين القوة والسرعة الفرنسية، والاستحواذ والانضباط الإسباني، وتضع كيليان مبابي ولامين يامال وجهاً لوجه في واحدة من أكثر مباريات البطولة ترقباً.
ويبحث المنتخب الفرنسي عن بلوغ نهائي كأس العالم للمرة الثالثة توالياً، بعدما توج باللقب عام 2018 وحل وصيفاً في نسخة 2022، بينما تتطلع إسبانيا إلى العودة إلى المباراة النهائية للمرة الأولى منذ تتويجها التاريخي عام 2010. وسيتأهل الفائز لمواجهة الفائز من مباراة إنجلترا والأرجنتين في نهائي البطولة المقرر إقامته يوم الأحد 19 يوليو الجاري.
فرنسا.. العلامة الكاملة وطريق لا يعرف التعثر
دخل المنتخب الفرنسي البطولة ضمن المجموعة التاسعة إلى جانب السنغال والعراق والنرويج، ونجح في فرض سيطرته منذ البداية، محققاً ثلاثة انتصارات من ثلاث مباريات.
واستهلت فرنسا مشوارها بالفوز على السنغال بنتيجة 3-1، في مباراة تألق خلالها كيليان مبابي وسجل هدفين، قبل أن تتجاوز العراق بثلاثة أهداف دون رد، حملت توقيع مبابي مرتين وعثمان ديمبيلي. واختتمت دور المجموعات بفوز عريض على النرويج بنتيجة 4-1، سجّل خلاله ديمبيلي ثلاثية، وأضاف ديزيريه دويه الهدف الرابع، لتتصدر فرنسا مجموعتها بالعلامة الكاملة.
وفي دور الـ32، واصل المنتخب الفرنسي قوته الهجومية بفوزه على السويد 3-0، قبل أن يواجه باراغواي في دور الـ16 ويتجاوزها بهدف نظيف في مباراة اتسمت بالصعوبة والحذر التكتيكي. وفي ربع النهائي، قدمت فرنسا واحدة من أكثر مبارياتها تكاملاً، وتفوقت على المغرب بنتيجة 2-0، لتحجز مقعدها في المربع الذهبي للمرة الثالثة توالياً.
ولعب المنتخب الفرنسي ست مباريات في البطولة حتى الآن، وحقق الفوز فيها جميعاً، مسجلاً 16 هدفاً مقابل هدفين فقط في مرماه، وهو ما يعكس توازنه الكبير بين القوة الهجومية والصلابة الدفاعية.
إسبانيا.. انطلاقة متعثرة ثم تصاعد مستمر
بدأ المنتخب الإسباني مشواره في المجموعة الثامنة إلى جانب الرأس الأخضر والسعودية وأوروغواي، ولم تكن انطلاقته كما توقعها كثيرون، بعدما سقط في فخ التعادل السلبي أمام الرأس الأخضر، في واحدة من أكبر مفاجآت دور المجموعات.
لكن المنتخب الإسباني رد بقوة في الجولة الثانية، واكتسح السعودية بنتيجة 4-0، قبل أن يهزم أوروغواي بهدف دون مقابل في الجولة الأخيرة، ليتصدر مجموعته برصيد سبع نقاط ويحجز بطاقة العبور إلى الأدوار الإقصائية.
وفي دور الـ32، قدمت إسبانيا عرضاً قوياً أمام النمسا، وفازت بثلاثة أهداف دون رد، ثم دخلت اختباراً بالغ الصعوبة أمام البرتغال في دور الـ16، وحسمت المواجهة بهدف ميكيل ميرينو في الوقت بدل الضائع، بعد مباراة تكتيكية معقدة.
وفي ربع النهائي، اصطدمت إسبانيا بمنتخب بلجيكا، ونجحت في الفوز 2-1، بعدما افتتح فابيان رويز التسجيل، قبل أن يظهر ميرينو مجدداً في اللحظات الأخيرة ويسجل هدف الانتصار في الدقيقة 88، مؤكداً قيمته الكبيرة بوصفه أحد أهم البدلاء الحاسمين في البطولة.
وخاضت إسبانيا ست مباريات، حققت خلالها خمسة انتصارات وتعادلاً واحداً، وسجلت 11 هدفاً، بينما استقبلت شباكها هدفاً وحيداً، لتدخل نصف النهائي بأقوى سجل دفاعي بين المنتخبات الأربعة المتبقية.
صراع بين الواقعية الفرنسية والسيطرة الإسبانية
يقدم المنتخب الفرنسي تحت قيادة ديدييه ديشان كرة قدم مباشرة ومرنة، لا تقوم بالضرورة على الاستحواذ الطويل، بقدر اعتمادها على التنظيم الدفاعي، والتحولات السريعة، واستغلال السرعات الكبيرة في الثلث الهجومي.
ويبدأ ديشان غالباً بطريقة 4-2-3-1، مع منح مايكل أوليس وعثمان ديمبيلي وديزيريه دويه حرية التحرك خلف مبابي، في حين يؤدي لاعبا الوسط أدواراً مزدوجة بين إغلاق العمق ودعم الهجمات المرتدة.
وتكمن خطورة فرنسا في قدرتها على الانتقال من الدفاع إلى الهجوم بتمريرتين أو ثلاث، مستفيدة من سرعة مبابي، ومهارة ديمبيلي في المراوغة، وجودة أوليس في المراوغة وصناعة اللعب والتمرير بين الخطوط. كما يمتلك المنتخب حلولاً متنوعة من البدلاء، أبرزهم برادلي باركولا وكينغسلي كومان ومانو كوني.
أما المنتخب الإسباني فيعتمد على الاستحواذ وبناء اللعب من الخلف، مع استخدام رودري محوراً أساسياً في تنظيم الإيقاع، وتحرك داني أولمو بين خطوط المنافس، ووجود لامين يامال وأليكس باينا في المساحات الواسعة.
ولا تكتفي إسبانيا بالاستحواذ الأفقي، بل أصبحت أكثر مباشرة مقارنة بالنسخ السابقة، مع سرعة أكبر في نقل الكرة إلى الأطراف، ودخول لاعبي الوسط إلى منطقة الجزاء، خصوصاً فابيان رويز وميكيل ميرينو.
سرعة مبابي أمام تنظيم الدفاع الإسباني
تتمثل أبرز نقاط القوة الفرنسية في سرعة الهجوم، والقدرة على استغلال المساحات، والكفاءة العالية أمام المرمى، إضافة إلى خبرة كبيرة في إدارة الأدوار الإقصائية.
ويتزعم مبابي قائمة هدافي البطولة برصيد ثمانية أهداف، ورفع رصيده إلى 20 هدفاً في تاريخ مشاركاته بكأس العالم، ليصبح على بُعد هدف واحد من الرقم القياسي الذي يملكه ليونيل ميسي. كما يشكل ديمبيلي، الذي سجل خمسة أهداف في البطولة، شريكاً بالغ الخطورة في الهجوم الفرنسي.
لكن فرنسا قد تعاني إذا نجحت إسبانيا في إجبارها على التراجع لفترات طويلة، خصوصاً أن تقدم الظهيرين يترك مساحات يمكن أن يستغلها يامال وباينا، كما أن غياب الاستحواذ لفترات طويلة قد يبعد مبابي وديمبيلي عن مناطق التأثير.
إسبانيا تراهن على الوسط والضغط العكسي
تعتمد قوة المنتخب الإسباني على السيطرة على وسط الملعب، والقدرة على استرجاع الكرة سريعاً بعد فقدانها، إلى جانب التحرك الجماعي وتبادل المراكز.
ويعد رودري العنصر الأهم في منظومة لويس دي لا فوينتي، إذ يتحكم في إيقاع اللعب ويمنح الفريق التوازن، بينما يمنح داني أولمو المنتخب حلولاً إبداعية خلف المهاجم. ويأتي لامين يامال بوصفه أخطر العناصر الفردية، بفضل قدرته على تجاوز المدافعين وصناعة المساحات لزملائه.
كما تألق باو كوبارسي في قلب الدفاع، بينما شكل بيدرو بورو ومارك كوكوريلا مصدرين دائمين للزيادة الهجومية من الأطراف.
وفي المقابل، قد تمثل المساحات خلف الظهيرين نقطة ضعف واضحة أمام سرعة مبابي وديمبيلي، كما قد تواجه إسبانيا خطورة كبيرة إذا فقدت الكرة أثناء تقدم عدد كبير من لاعبيها. وقد ظهرت بعض الأخطاء في البناء من الخلف أمام بلجيكا، رغم أن الفريق لم يستقبل سوى هدف واحد طوال البطولة.
التشكيل المتوقع لفرنسا
من المتوقع أن يبدأ ديدييه ديشان المباراة بطريقة 4-2-3-1، بتشكيلة تضم مايك مينيان في حراسة المرمى، وأمامه جول كوندي، دايوت أوباميكانو، ويليام ساليبا، ولوكاس ديني، وفي الوسط مانو كوني وأدريان رابيو، بينما يتحرك مايكل أوليس وعثمان ديمبيلي وديزيريه دويه خلف القائد كيليان مبابي.
ويبقى موقف أوريلين تشواميني محل متابعة، بعدما غاب عن المباراتين الأخيرتين بسبب إصابة في الفخذ، فيما شارك مبابي بصورة طبيعية في التدريبات بعد تعرضه لكدمة أمام المغرب. كما غاب ساليبا وأوباميكانو عن جزء من التدريبات الأخيرة، لكنهما يظلان الخيارين الأساسيين الأقرب لقيادة قلب الدفاع.
التشكيل المتوقع لإسبانيا
ينتظر أن يعتمد لويس دي لا فوينتي على أوناي سيمون في حراسة المرمى، وأمامه بيدرو بورو، باو كوبارسي، إيمريك لابورت، ومارك كوكوريلا، وفي الوسط رودري وفابيان رويز، مع وجود لامين يامال وداني أولمو وأليكس باينا خلف المهاجم ميكيل أويارزابال.
وتبقى المفاضلة قائمة بين فابيان رويز وبيدري لمرافقة رودري، بعدما بدأ فابيان أساسياً أمام بلجيكا وسجل هدف التقدم، بينما أصبح داني أولمو الخيار الأول في مركز صانع اللعب. أما ميكيل ميرينو، فيظل السلاح الأبرز على مقاعد البدلاء، بعدما سجل هدفي الفوز أمام البرتغال وبلجيكا.
رسائل الثقة والاحترام قبل القمة
وخلال المؤتمر الصحفي، أكد ديدييه ديشان أن منتخب بلاده يدرك تماماً قوة إسبانيا واحترامها الكبير لها، لكنه شدد على أن فرنسا لا تخشى أي منافس، وأن التركيز سيكون على تقديم أفضل أداء ممكن واستغلال إمكانات لاعبيه في المساحات. كما أوضح لاعبو المنتخب الفرنسي أن الحديث عن لامين يامال لن يغير من طريقة إعدادهم، لأنهم يستعدون لمواجهة منتخب متكامل وليس لاعباً واحداً.
وفي الجانب الآخر، وصف لويس دي لا فوينتي المواجهة بأنها نهائي قبل النهائي، مؤكداً أن إسبانيا تمتلك كل الأسباب التي تمنحها الثقة في قدرتها على تجاوز فرنسا، رغم اعترافه بالقوة الهائلة التي يمتلكها منافسه.
وأشاد دي لا فوينتي بعمق تشكيلته وبالدور الذي يؤديه البدلاء، وعلى رأسهم ميرينو، مؤكداً أن قوة المنتخب الإسباني تقوم على المجموعة وليس على لاعب واحد.
إيفان بارتون يقود المواجهة
أسند الاتحاد الدولي لكرة القدم إدارة المباراة إلى الحكم السلفادوري إيفان بارتون، ويعاونه مواطنه ديفيد مورانوالنيكاراغوي أنطونيو بوبيرو، فيما سيكون السويدي جلين نيبرغ حكماً رابعاً، ومواطنه محمود بيغي حكماً مساعداً احتياطياً.
وسبق لبارتون إدارة ثلاث مباريات في البطولة الحالية، وأثار تعيينه نقاشاً في الأوساط الفرنسية، إلا أن الجهاز الفني واللاعبين تجنبوا الدخول في أي جدل تحكيمي قبل المباراة.
التاريخ ينحاز لإسبانيا.. والرسميات لفرنسا
التقى المنتخبان في 38 مباراة رسمية وودية، حققت خلالها إسبانيا 18 انتصاراً، مقابل 13 فوزاً لفرنسا، وانتهت سبع مواجهات بالتعادل. وسجل المنتخب الإسباني 71 هدفاً مقابل 44 هدفاً لفرنسا.
لكن الصورة تختلف في المواجهات الرسمية، إذ التقيا 12 مرة في كأس العالم وتصفياته وكأس أوروبا وتصفياتها ودوري الأمم الأوروبية، فحققت فرنسا ستة انتصارات مقابل أربعة لإسبانيا، وانتهت مباراتان بالتعادل.
وتواجه المنتخبان مرة واحدة فقط في كأس العالم، عندما فازت فرنسا 3-1 في دور الـ16 من مونديال 2006. أما آخر مواجهاتهما، فكانت في نصف نهائي دوري الأمم الأوروبية 2025، وانتهت بفوز إسبانيا 5-4، بعد عام واحد من فوزها 2-1 في نصف نهائي كأس أوروبا 2024.
خزائن ممتلئة بالألقاب
توج المنتخب الفرنسي بكأس العالم مرتين عامي 1998 و2018، وحل وصيفاً عامي 2006 و2022، كما أحرز كأس أمم أوروبا مرتين عامي 1984 و2000، ودوري الأمم الأوروبية عام 2021، إلى جانب لقبين في كأس القارات.
أما إسبانيا فتوجت بكأس العالم مرة واحدة عام 2010، وتملك الرقم القياسي في كأس أمم أوروبا بأربعة ألقاب أعوام 1964 و2008 و2012 و2024، كما أحرزت دوري الأمم الأوروبية عام 2023.
وبين منتخب فرنسي يريد تأكيد هيمنته على المونديال خلال العقد الأخير، ومنتخب إسباني يسعى إلى الجمع بين لقبي أوروبا والعالم، تبدو المواجهة مفتوحة على كل الاحتمالات، في مباراة قد تحسمها لحظة فردية من مبابي أو يامال، أو تفصيل تكتيكي صغير في معركة الوسط بين رودري ورفاقه أمام القوة والسرعة الفرنسية.
