يعقوب بن محمد بن غنيم الرحبي
الرئيس دونالد ترامب.. سلطنة عُمان هي نهج السلام في مواجهة التهديد، ومنذ عقود طويلة تعرف سلطنة عُمان بأنها الحكمة والاعتدال والسلام، وقد استطاعت عبر سياستها المتوازنة أن تحافظ على علاقات طيبة مع مختلف دول العالم وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث تمتد العلاقات العُمانية الأمريكية لعقود من التعاون والتفاهم والاحترام المتبادل، فكان أحمد بن نعمان الكعبي أول مبعوث عربي كسفير أرسلته سلطنة عُمان إلى الولايات المتحدة الأمريكية، والذي أرسله السيد سعيد بن سلطان البوسعيدي عام 1840م عبر السفينة "سلطانة"، وتعد رحلة هذه السفينة حدثًا تاريخيًا مهمًا لأنها أول سفينة عربية تعبر المحيط الأطلسي إلى الولايات المتحدة في مهمة دبلوماسية رسمية، أتمنى منكم سيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن تدونوا هذه المعلومات على مذكراتكم وتضعوها في جيبكم.
وعلى الرغم من التحولات السياسية المتسارعة التي شهدتها المنطقة بقيت عُمان متمسكة بمبادئها الثابتة، الراسخة والقائمة على احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤون الآخرين، والعمل على تقريب وجهات النظر، وحل النزاعات بالحوار والدبلوماسية، حتى أصبحت مسقط محطة موثوقة للوساطات الإقليمية والدولية.
إن النهج العُماني لم يكن قائمًا على التوسع أو فرض النفوذ أو البحث عن مكاسب على حساب الآخرين، بل كان دائمًا منحازًا إلى العدل الذي يحقق الأمن والاستقرار والتعايش السلمي، وهو ما أكسب السلطنة احترامًا واسعًا على المستوى الإقليمي والدولي.
وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية فقد أعلنت السلطنة موقفها الواضح والثابت في دعم حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة وعلى رأسها إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، انطلاقًا من إيمانها بأن السلام العادل والشامل لا يمكن أن يتحقق دون إنصاف الشعب الفلسطيني وإنهاء معاناته المستمرة منذ عقود وإعادة له حقوقه المسلوبة.
إن العظمة والكبرياء لله وحده، وسياسة التهديد والضغط وفرض الإملاءات على دول المنطقة أيًا كان مصدرها لا يمكن أن تصنع استقرارًا دائمًا، بل قد تؤدي إلى زيادة التوتر وتعميق الأزمات، فالعلاقات الدولية الناجحة لا تبنى على القوة وحدها وإنما على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والاعتراف بحقوق الشعوب وكرامتها.
السيد دونالد ترامب.. عليك أن تعلم بأن شعوب المنطقة أصبحت أكثر وعيًا بطبيعة التحديات التي تواجهها، وأكثر إدراكًا لأهمية بناء منظومة أمن إقليمية مستقلة تقوم على التعاون الحقيقي بين الدول العربية والإسلامية بعيدًا عن التبعية المطلقة لأي قوة خارجية وبما يحقق مصالح شعوب المنطقة ويحفظ أمنها وسيادتها. لقد أثبتت التجارب أن الاعتماد على القوى الكبرى وحده لا يكفي لتحقيق الأمن والاستقرار، وأن بناء القدرات الذاتية وتعزيز الوحدة والتكامل الإقليمي هو الطريق الأضمن لمستقبل أكثر أمنًا واستقلالًا.
إن سلطنة عُمان بقيادتها ونهجها المتزن تبقى صوتًا للعقل والسلام والحوار، ودولة تسعى دائمًا إلى إطفاء النار لا إشعالها، وإلى تقريب الشعوب لا تقسيمها، وإلى ترسيخ الاستقرار في المنطقة التي أنهكتها الصراعات والتوترات.
أيها الرئيس.. عليك أن تعلم أنت ومن حولك بأن سلطنة عُمان ليست مجرد أرض، بل تاريخ ومجد وحضارة، رايتها ترفرف على قلعة شامخة منذ فجر العصور الطويلة وزادها الإسلام رفعة وكرامة وعزة وشرف، وهي عصية على الانكسار، فاقرأ تاريخ عبد وجيفر، واسأل الإمام ناصر بن مرشد اليعربي، والإمام سلطان بن سيف اليعربي، والإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي كيف تعاملوا مع الغزاة، ومكتبة الإسكوريال بإسبانيا خير شاهد على ذلك التاريخ. وأخيرًا نقول لكم أيها الرئيس إن العقل سبيل إلى معرفة الحق، ولن تهدأ الشعوب ولن ينعم العالم بالأمن والاستقرار حتى تنال هذه الشعوب حريتها وحقوقها وكرامتها، طال الدهر أو قصر.
