الحكمة العُمانية والبلطجة الأمريكية

حاتم الطائي

◄ تُرَّهات ترامب نابعة عن جهل مُطبق بالقانون الدولي وحقوق سلطنة عُمان في "هرمز"

◄ عُمان دولة ذات سيادة وتملك قرارها السياسي المستقل ولا ترتهن لأي طرف

◄ أمريكا لم تعد حليفًا موثوقًا فيه.. وعلى دول الخليج التوجه شرقًا

 

لم أتفاجأ كثيرًا بتُرَّهات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تحدَّث فيها عن سلطنة عُمان، قبل أيام في اجتماع للحكومة الأمريكية، مُستخدمًا لغة تهديدٍ، هي بلا شك مرفوضة ومحل استهجان شديد، ومنبع ذلك الشعور لديّ أنَّ هذا الرئيس يتفوّه دائمًا بما لا يعرف، ويتحدَّث في ما يجهل، ويناقش القضايا بسطحية مُفرِطة، فضلًا عن أسلوبه الوقح في كثير من أحاديثه، وهو لا يُفرِّق في وقاحته بين رئيس دولة (مثل الرئيس الأوكراني) أو صحفي يُجادله في نقاش إعلامي مهني.

ترامب ومنذ وصوله لرئاسة أمريكا في ولايته الأولى ثم بعد سنوات في ولاية ثانية حاليًا، لم تختلف طريقة تعاطيه في إدارة الحُكم، غير أنَّه صار نسخة أكثر حماقةً وأشد صفاقةً وأعتى صلافةً، فبعد أن طاردته جرائم التَّحرش الجنسي ودفع الرشا المالية والتحريض على استخدام العنف في ولايته الأولى، بات في هذه العهدة الثانية بالبيت الأبيض يُمارس البلطجة السياسية والاقتصادية على الجميع، فتارةً يفرض رسومًا جُمركية غير عادلة ضد القوى الصاعدة عالميًا وعلى رأسها الصين، وتارةً يريد ضم كندا والاعتداء على سيادتها، أو تغيير اسم خليج المكسيك إلى "خليج أمريكا"، علاوة على الاستيلاء على جزيرة جرينلاند الخاضعة لسيادة الدنمارك، وما زاد الطين بلة أنَّه هدَّد أوروبا بفرض رسوم جمركية عالية، وسحب القوات الأمريكية منها، والتلويح بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي "ناتو". وتوج ترامب عشوائيته في إدارة الشأن الأمريكي، بشن حرب غير مبررة وغير قانونية على إيران، مُنساقًا في ذلك وراء مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، أو بالأحرى تلاقت نزعة البلطجة الراسخة لديهم، وقررا الانزلاق إلى مستنقع الحرب ضد إيران، فكانت النتيجة الحتمية هزيمة نكراء وفشل عسكري وسياسي غير مسبوق؛ بل إنَّ الحرب أفضت إلى عكس ما سعى إليه ترامب ونتنياهو؛ حيث فشلت الحرب في إسقاط النظام الإيراني ومحاولة إحداث ثورة داخلية بعد اغتيال القيادات، وفي المُقابل اتحد الشعب الإيراني خلف قيادته الجديدة، وواجه ببسالة منقطعة النظير هذه البلطجة الصهيوأمريكية، رغم الحصار المفروض ليس خلال الأسابيع الماضية، وإنما منذ ولادة الثورة الإيرانية في 1979.

وتسببت الحرب كذلك في تقوية الموقف الإيراني فيما يتعلق بمضيق هرمز؛ حيث ثبت أنَّه ورقة التفاوض الأقوى على الإطلاق، وليس فقط ملف تخصيب اليورانيوم والبرنامج النووي، أو حتى البرنامج الصاروخي، ولا الموقف من حركات المقاومة في المنطقة، ونتج عن ذلك إغلاق إيران للمضيق في وجه نحو 30% من إمدادات النفط الخام العالمي، وحوالي 20% من صادرات الغاز العالمية.

وعلى الرغم من الدور الرائد لسلطنة عُمان في تقريب وجهات النظر بين إيران والولايات المتحدة؛ حيث قادت مسقط مفاوضات حاسمة أسهمت في التوصل إلى "اتفاق وشيك"، إلّا أن ذلك ربما لم يُعجب البعض، سواء في المنطقة أو لدى الإدارة الأمريكية ذاتها، لا سيما في ظل الموقف العُماني الراسخ من الحرب ولغة الدبلوماسية الجريئة والصادقة والمتوافقة مع الثوابت الوطنية، بجانب الموقف الشعبي الرافض للحرب والمُندِّد بها.

الخطأ الذي وقع فيه ترامب ودفعه لإطلاق التصريح الأهوج ضد سلطنة عُمان، يُؤكد أنَّه يجهل تمامًا حقائق التاريخ والجغرافيا السياسية؛ فعُمان دولة مستقلة ذات سيادة على مر التاريخ، وحتى في المراحل التي تعرضت فيها للاحتلال، ظلّت مُقاوِمة، حكومةً وشعبًا، ولم يهدأ لها بال إلّا بدحر المُحتل؛ بل وملاحقته في دول أخرى للقضاء عليه تمامًا. عُمان الدولة الأولى في العالم العربي التي أسست لعلاقات دبلوماسية مع الولايات المتحدة، عندما كانت تسمى بـ"العالم الجديد" ولا يعرفها الكثيرون، وقامت على أنقاض الحرب الأهلية الدموية، وطرد السكان الأصليين من أراضيهم. عُمان هي رمانة ميزان منطقة الخليج، لما تتميز به من حكمة ورجاحة عقل في التعاطي مع الأزمات الإقليمية والدولية، والتاريخ خير شاهد على ذلك ولا يتسع المجال لذكر الأحداث.

أما من حيث الجغرافيا السياسية، فإنَّ ترامب يُعاني من جهل مُطبق بحقائقها؛ إذ إنَّ وقوع عُمان على ثلاثة بحار؛ هي: الخليج العربي وبحر عُمان وبحر العرب ومن ورائهم المحيط الهندي العملاق، يمنحها ميزة استراتيجية لا تتوافر لأي دولة في الإقليم، علاوة على أن مشاركتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية في السيادة على مضيق هرمز، بموجب القانون الدولي، تمنحها الحق في اتخاذ ما يلزم من إجراءات لضمان حرية الملاحة البحرية في المضيق وفي الوقت نفسه اتخاذ تدابير للحفاظ على البيئة البحرية، أو تحصيل رسوم مُقابل خدمات أمنية ولوجستية.

ولذلك نُؤكد أن ترامب وقع في خطأ فادح ناجم عن جهل شديد بالقانون الدولي، عندما ذكر أنَّ مضيق هرمز مياهٌ دوليةٌ، والحقيقة أنه ليس كذلك؛ بل إنه مياه إقليمية خالصة لكلٍ من سلطنة عُمان والجمهورية الإسلامية الإيرانية، الدولتان المشاطئتان للمضيق، وبموجب القانون الدولي والاتفاقيات الدولية المعنية بالملاحة في الممرات البحرية، فإنَّ لعُمان وإيران الحق في فرض رسوم ليس مقابل العبور، فهذا مكفول دوليًا، وإنما مقابل توفير خدمات لوجستية وأمنية، وليس أدل على ذلك مما تقوم به الجهات المعنية في بلادنا، من عمليات إنقاذ أو مساعدة في عرض البحر، وآخرها ما أعلن عنه مركز الأمن البحري العُماني من تنبيه لخطر وجود لغم بحري في البحر الإقليمي العُماني بمضيق هرمز، وهذه خدمة مجانية حتى الآن، نقدمها للسفن العابرة في المضيق، رغم تكلفتها العالية؛ حيث إنَّ تقنيات الكشف عن الألغام وكاسحات الألغام، تصل تكلفتها لملايين الدولارات.

ويبقى القول.. إنَّ البلطجة التي يمارسها ترامب لا يمكن قبولها من الدول ذات السيادة، وعلى رأسها سلطنة عُمان، ولا أعتقد أنَّ أحدًا في الدوائر المعنية أخذ تصريحه على محمل الجد، وإنما أُدرج ضمن الغوغائية الترامبية، لكن في الوقت نفسه يتعين على دول الخليج، وحتى الدول العربية بأكملها، أن تُعيد النظر في سياساتها الآن مع الولايات المتحدة، فقد تأكدنا جميعًا أن أمريكا حليف لا يُمكن الوثوق به، وأن وجود رئيس مثل ترامب، من شأنه أن يُضعف هذه الثقة إلى أدنى مستوى، وفي المُقابل لا بُد من تحقيق التوازن في العلاقات الدبلوماسية، وأولى الخطوات تتمثل في التوجُّه شرقًا، نحو الصين وروسيا، والعمل على تنويع العلاقات الخارجية، من أجل تحقيق التوازن المنشود، وعدم الارتهان إلى قوة واحدة، أثبتت عدم موثوقيتها، وضعف قدرتها على حماية حلفائها، مهما قدموا من مليارات أو وافقوا على تنفيذ سياسات بعينها، بينما تبقى السيادة والحياد الإيجابي واستقلالية القرار الوطني هي الركائز التي يجب أن تستند عليها الدول، وهو ما تفعله سلطنة عُمان على مر التاريخ وإلى قيام الساعة.

الأكثر قراءة

z