دجاجة بمنقار حديد!

 

 

 

سعيد المالكي

تخيلوا لو أن دجاجةً قررت أن تغير ترتيب العالم! ليست نسرًا، ولا صقرًا، ولا طائرًا يمُر فتتوارى الكائنات عن طريقه.. مجرد دجاجة؛ مخلوق صغير لم يكتسب شهرته من الشجاعة، بل من البقبقة والارتباك وسرعة البحث عن زاوية آمنة عند أول خطر.

قد يُقال إن الدجاجة، في نهاية الأمر، لا تُعرف بحُب المغامرات الكبرى. هي تميل إلى النجاة أكثر من المواجهة، وتحب أن تبقى قريبة من حظيرتها، فلا تخوض حربًا مع السماء ولا تفتح جبهة مع الريح. وحين تخاف، ترفع صوتها وتفرقع بجناحيها وتندفع بحركة مُرتبِكة أقرب إلى الدفاع منها إلى الهجوم. لكنها، بطبيعتها العادية، لا تملك ما يؤذي أحدًا حقًا. فكل ذلك الضجيج ليس شجاعة بالضرورة، بل محاولة صغيرة لتعويض شعورٍ أكبر بالخوف.

لكن لنتخيل أمرًا غير مألوف. ماذا لو استيقظت تلك الدجاجة ذات صباح بمنقارٍ من حديد؟ منقار حاد، ثقيل، يجرح إنْ نَقَرَ، ويُدمي إن أصاب، ويترك أثرًا لا يشبه الخدوش العابرة التي يعرفها الناس منها.

هل تصبح نسرًا؟ في الحقيقة، لا!

لن تتغير طبيعتها كثيرًا. وستظل تعرف في أعماقها أنها ليست من سلالة الطيور الجارحة، وأنها ما كانت لتغامر كثيرًا لو بقيت على منقارها القديم.

لكن منقارها الحديدي سيمنحها شعورٌ بالأمان؛ فالكائن الذي يظن أن سلاحه لا ينكسر، وأن ظهره مسنود، يبدأ أحيانًا بالنظر إلى العالم بطريقة مختلفة. ويرتفع صوته لا لأن قلبه صار أشجع، بل لأنه صار أكثر اطمئنانًا.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية؛ فالدجاجة لا تصنع منقارها الحديدي وحدها. هناك دائمًا حدادٌ مجهول في القصة. هو من يصقله، ومن يثبته، ومن يوهم صاحبه بأنه قادر على النقر دون خوف من الارتداد.

وأحيانًا لا تحتاج الدجاجة إلى جيشٍ كامل من المؤيدين. يكفي أن تشعر أن حولها من يصفق، أو من يبرر، أو من يلوذ بالصمت، أو من يرى في اندفاعها مصلحة تخصه.

وهنا، لا يكون السِرُّ في الدجاجة نفسها، بل في المنقار الذي ترتديه؛ فالقوة أحيانًا ليست شجاعةً ذاتية، بل قرضًا مؤقتًا من حسابات الآخرين وصمتهم ومصالحهم.

المنقار الحديدي ليس قطعة معدن فحسب، إنه طرقٌ ممهدة، وأبوابٌ مفتوحة، وممراتٌ آمنة، واصطفافاتٌ ترى في الاقتراب مصلحة أو ضرورة؛ فالدجاجة، مهما عَلَتْ بقبقتها، لا تقترب وحدها من ساحات النار البعيدة، ولا يمنحها بعدها عن الجَمر شجاعةً كافية للنقر من تلقاء نفسها.

ولهذا لا يكون السؤال دائمًا عن صخب الدجاجة وحده، بل عن المنقار الذي سمح لها بالاقتراب.

كل ذلك نستحضره في "ترامب"، لا بوصفه أمريكا، ولا بوصفه الشعب الأمريكي الحُر الذي عُرفت داخله أصوات كثيرة عارضت الحروب وكشفت الأخطاء وراجعت السياسات، بل باعتباره نموذجًا لحالة سياسية ترى العالم من مسافة آمنة جدًا.

فبعضهم، حين تضيق بهم الضغوط أو تقترب الأسئلة الثقيلة، لا يخفضون أصواتهم بالضرورة، بل يفعلون العكس تمامًا. يرفعونها.

وكأن الصراخ في جميع الاتجاهات يصبح أحيانًا وسيلةً لصناعة صورةٍ أكثر صلابة مما يشعرون به في الداخل، أو محاولةً للهروب من اعترافاتٍ؛ اعتراف بالفشل، أو بالارتباك، أو بثقل الحسابات التي تلاحقهم من أكثر من جهة.

لكن حتى هذا الصراخ لا يكفي؛ فالدجاجة، مهما علت بقبقتها، تبقى محدودة الأثر ما لم تجد من يُلبسها منقارًا من حديد، أو يطمئنها بأن بعض الاتجاهات آمنة للنقر أكثر من غيرها، وأن هناك من سيتحمل معها أو بدلًا عنها جزءًا من الارتطام.

الحروب الحديثة لم تعد تشبه حكايات الفرسان؛ فصاحب القرار كثيرًا ما يكون بعيدًا عن الدخان، بينما يعيش غيره بالقرب من النار والقلق والخراب واحتمالات الخسارة.

وبالتالي ليس المهم فقط من يرفع نبرة التصعيد، بل الذي يجعله مطمئنًا إلى هذا الحد؛ لأن بعض أصحاب المناقير الحديدية لا يختبرون صلابة مناقيرهم مع الجميع بالطريقة نفسها.

فثمة أبواب يطرقونها بخفة، وأخرى يطرقونها بالصراخ. وثمة خرائط يعاملونها بحذر شديد، وأخرى يظنون أنها أقل قدرة على الرد أو أقل رغبة في الصدام.

وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل؛ فالذين يتحدثون كثيرًا عن القوة لا يختبرونها دائمًا أمام الأقوياء وحدهم، بل كثيرًا ما تتجه حدتها نحو الجهات التي يُظن أن كلفتها السياسية أو العسكرية أو الإعلامية أقل.

ولهذا، حين تتسع الحروب في المنطقة، وحين ترتفع حرارة الخطاب والتهديد، لا يقف العقل عند الكلمات وحدها، بل يبحث عمَّا وراءها.

هل الصوت المرتفع دليل قوة دائمًا؟ أم أنه أحيانًا مجرد منقارٍ جديد ظن صاحبه أنه لا ينكسر؟

ولعل ما يزيد المشهد غرابة أن يُوجَّه المنقار أحيانًا حتى نحو دول عُرفت تاريخيًا بمحاولات التهدئة وفتح نوافذ الحوار وخفض التوتر. وهنا لا يُسأل المرء عن حدة المنقار فقط، بل عن مقدار الاطمئنان الذي جعله يقترب حتى من أبوابٍ لم تُعرف يومًا بأنها أبواب مواجهة، وإنما أبواب طالما فُتحت للسلام، ولتهدئة العواصف، ولفتح ما أُغلق بين الخصوم، بل ولتحرير أسرى حين عجزت الضوضاء عن فعل شيء، فكيف أصبح المنقار يطرق حتى الأبواب التي اعتادت حمل المفاتيح لا السيوف؟

والمفارقة أن بعض هذه الأبواب لم تكن غريبة عن بعضها أصلًا؛ فقد عرفت التواصل والتحالف وتبادل المصالح منذ أزمنة سبقت ولادة كثير من الدول بصورتها الحديثة، وكانت في كثير من المراحل أقرب إلى أبواب صداقة وجسور عبور منها إلى خطوط مواجهة، قبل أن تصبح السياسة أحيانًا ذاكرة قصيرة، ومنقارًا طويلًا.

الذي يُهدِّد الجميع لا يكون بالضرورة الأقوى بينهم، بل ربما الأكثر اطمئنانًا إلى أن منقاره مستعار، وأن غيره سيتحمل جزءًا من الارتطام.

لكن التاريخ لن يُبقي هذه الأوهام طويلًا. والتاريخ الأمريكي نفسه يُخبرنا أن أكثر ما أقلق السياسيين لم يكن غضب الخصوم في الخارج، بل يقظة الناس في الداخل حين يسألون: إلى أين نمضي؟ وباسم من؟ ولماذا؟

فالشعوب، مهما تأخرت، تملك قدرة غريبة على إعادة اكتشاف الفارق بين القوة الحقيقية والقوة المُستعارة.

أما الدجاجة، فهي قد تنجح لبعض الوقت في إقناع نفسها بأنها أصبحت نسرًا. وقد يعمل الحديد على إخفاء ارتباكها، لكن الحديد، مهما لمع، لا يغيّر طبيعة الجناحين.

ولهذا ربما لا يكون السؤال المناسب: لماذا تنقر الدجاجة؟ بل: من الذي منحها المنقار، ولماذا لا يزال يطمئنها أن النقر آمنٌ؟!

الأكثر قراءة

z