اتفاق إسلام آباد: كيف يُعاد رسم النفوذ في الشرق الأوسط؟

 

 

 

د. علي الكناني

إذا تحقق ما يمكن وصفه بـ«اتفاق إسلام آباد» بين الولايات المتحدة وإيران، فإن المنطقة لن تكون أمام تسوية سياسية عابرة، بل أمام تحول استراتيجي عميق في بنية الصراع وتوازنات النفوذ؛ فمثل هذه الاتفاقات، التي تأتي عادة بعد مراحل طويلة من التوتر والمواجهات غير المباشرة، لا تنهي التنافس بين القوى المتصارعة، بل تعيد تنظيمه ضمن قواعد جديدة أكثر تعقيدًا وأقل صدامًا.

أول التحولات المُتوقَّعة يتمثل في طبيعة الصراع نفسه؛ فبدلًا من المواجهة المباشرة والتصعيد المستمر، ستتجه الأطراف إلى توظيف أدوات أكثر مرونة وتأثيرًا على المدى الطويل، مثل الاقتصاد والدبلوماسية والتحالفات السياسية. وفي هذا السياق، يصبح النفوذ مرتبطًا بالقدرة على بناء الشراكات وامتلاك أدوات التأثير المستدام، لا بمجرد التفوق العسكري أو القدرة على فرض الوقائع بالقوة.

بالنسبة لإيران، قد يمثل الاتفاق فرصة استراتيجية لإعادة ترتيب أولوياتها الداخلية والخارجية. فتخفيف الضغوط والعقوبات يمنحها مساحة أوسع للتركيز على الاقتصاد والتنمية، مع الحفاظ على حضورها الإقليمي، ولكن بأدوات أقل تكلفة وأكثر استدامة. ومن المرجَّح أن يشهد نفوذها تحولًا تدريجيًا من الاعتماد على الأبعاد العسكرية والأمنية إلى توسيع التأثير السياسي والاقتصادي، بما يضمن لها دورًا طويل الأمد في معادلات المنطقة.

في المقابل، ستسعى الولايات المتحدة إلى إعادة صياغة حضورها الإقليمي بما ينسجم مع توجهاتها الاستراتيجية العالمية. فبدلًا من الانخراط المباشر في النزاعات، قد تركز على إدارة التوازنات من خلال الشراكات والتحالفات الإقليمية؛ بما يضمن الحفاظ على النفوذ مع تقليل الكلفة السياسية والعسكرية. وهذا النهج قد يفتح المجال أمام قوى إقليمية للعب أدوار أكبر في إدارة الملفات الأمنية والسياسية.

أما إسرائيل، فستجد نفسها أمام واقع جديد يحمل فُرصًا وتحديات في آنٍ واحد؛ فمن جهة، قد يؤدي الاتفاق إلى خفض مستوى التهديد المباشر والتوتر المستمر، ومن جهة أخرى قد يثير مخاوف من تعزيز مكانة إيران السياسية والإقليمية. لذلك من المرجح أن تتجه إلى تعزيز تحالفاتها الإقليمية وتكريس تفوقها الأمني والتكنولوجي لضمان الحفاظ على موقعها الاستراتيجي.

وفي هذا المشهد المُتغيِّر، تبرُز السعودية وتركيا بوصفهما من أبرز الفاعلين الإقليميين في مرحلة ما بعد الاتفاق؛ فالسعودية قد تستثمر أجواء التهدئة لتعزيز مشاريعها الاقتصادية الكبرى وترسيخ دورها كمحور للاستقرار والتنمية في المنطقة. أما تركيا، فقد تسعى إلى توسيع نفوذها في عدد من الملفات الإقليمية، مستفيدة من أي إعادة توزيع للأدوار وموازين القوة.

وعلى المستوى الدولي، ستجد كل من الصين وروسيا فرصًا جديدة لتعزيز حضورهما؛ فالصين، التي ترتبط مصالحها باستقرار أسواق الطاقة وحماية طرق التجارة، قد تعمق استثماراتها وشراكاتها الاقتصادية في المنطقة. أما روسيا؛ فستسعى إلى الحفاظ على نفوذها في الملفات الأمنية والاستراتيجية، خصوصًا في مناطق حضورها التقليدية.

وفي قلب هذه التحولات، يبرز العراق بوصفه أحد أبرز المستفيدين المحتملين إذا ما أحسن استثمار الفرصة؛ فالتراجع النسبي في حدة التنافس الإقليمي على أراضيه قد يمنحه هامشًا أوسع لتعزيز الاستقرار الداخلي وتطوير اقتصاده وترسيخ دوره الإقليمي. وعندها يمكن للعراق أن ينتقل تدريجيًا من موقع ساحة الصراع إلى موقع نقطة التوازن والتلاقي بين المصالح المتنافسة.

كما ستنعكس مرحلة التهدئة على أدوار الفاعلين غير الحكوميين؛ إذ غالبًا ما تدفع مثل هذه التحولات نحو إعادة دمج بعض هذه القوى ضمن أطر سياسية ومؤسساتية، أو تقليص أدوارها العسكرية لصالح أدوار سياسية واجتماعية. ورغم أن ذلك لا يعني اختفاءها من المشهد، فإنه يعكس تحولًا في طبيعة وظائفها ومجالات تأثيرها.

 

اقتصاديًا، قد يشكل الاتفاق بوابة نحو مرحلة من الانفراج النسبي، تنعكس إيجابًا على أسواق الطاقة وحركة التجارة والاستثمار. كما يمكن أن يفتح المجال أمام مشاريع إقليمية مشتركة في مجالات النقل والطاقة والبنية التحتية، ما يجعل الاقتصاد أحد أهم أدوات النفوذ والتنافس في المرحلة المقبلة.

وفي هذا السياق، تكتسب ممرات الطاقة والتجارة أهمية متزايدة، إذ سيصبح تأمينها واستقرارها عنصرًا أساسيًا في تحديد مراكز القوة الإقليمية والدولية. فالدول القادرة على التحكم في هذه الممرات أو توفير بيئة آمنة لها ستكون في موقع أفضل لتعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي.

ومع ذلك، فإن أي اتفاق من هذا النوع لن يلغي التنافس بين القوى المختلفة، بل سيعيد تنظيمه ضمن قواعد جديدة. فكل طرف سيعمل على توظيف مخرجات الاتفاق لتعزيز موقعه وتحقيق مصالحه، ما يعني أن خريطة النفوذ ستظل في حالة حركة مستمرة، وإن كانت بوتيرة أقل تصادمًا وأكثر اعتمادًا على أدوات التأثير الناعم.

في المحصلة.. يمثل «اتفاق إسلام آباد» المحتمل لحظة انتقال من مرحلة الصراع المفتوح إلى مرحلة التوازن المدروس. وفي هذه البيئة الجديدة، ستكون القوى الأكثر قدرة على توظيف الاقتصاد والدبلوماسية وبناء الشراكات هي الأقدر على تحقيق نفوذ مستدام، بينما ستتراجع أهمية الأطراف التي تعتمد حصريًا على أدوات الصدام والمواجهة. وبين هذين المسارين، سيبقى الشرق الأوسط فضاءً مفتوحًا لإعادة التشكل؛ حيث لا توجد نهايات نهائية للصراعات؛ بل تحولات متواصلة تعيد رسم خرائط القوة والنفوذ باستمرارٍ.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z