إبراهيم بن محمد الفرعي
ليس من السهل أن تكتب عن رجلٍ يشبه الطيبين القدامى أولئك الذين يمرّون في حياة الناس مرور المطر على الأرض العطشى يتركون أثرًا لا يزول وذكرًا لا تغيّبه الأيام؛ ذلك هو أبو خالد أحمد بن سالم المحروقي الرجل الذي لم يكن مجرد اسمٍ بين الناس؛ بل قيمة تُروى وأخلاق تُحتذى ووجهًا مألوفًا للخير أينما حلّ وارتحل.
من بين أزقة التل وظلال نخيل المغدر ومن حلقات القرآن التي صقلت روحه وصفوف المدرسة الابتدائية التي شهدت بداياته الأولى ومن ربوع سوق سناو العامر بأهله وطيب ناسه خرج أبو خالد حاملًا إرثًا من التربية الأصيلة والقيم الراسخة. وفي مجالس الشيخ المربي حمود الصوافي تعلّم أن الرجال لا تُقاس بمناصبها؛ بل بأثرها بين الناس وأن الكلمة الطيبة قد تُطفئ نارًا تعجز عنها القوة.
نشأ أبو خالد بسيطًا قريبًا من القلوب لكن بساطته كانت تحمل هيبة الرجال الصادقين. لم يكن يبحث عن الأضواء؛ بل كان يسير نحو الناس بقلبه فيسبق اسمه حضوره وتسبقه أخلاقه إلى المجالس والطرقات. تنقّل بين الولايات بعد تعيينه مساعدا لنائب الوالي ومن ثم نائبا للوالي حتى وصل واليًا لا يحمل إلّا نية الإصلاح فكان إذا حضر هدأت النفوس وإذا تكلّم أنصت الجميع.
دخل بيوتًا أغلقتها الخصومات ففتحها بالمودة وجبر خواطر فرّقتها الأيام فكان للكلمة عنده وزن وللصلح مكانة ولحقوق الناس أولوية لا يساوم عليها. عرفه الناس رجلًا لا يجامل على حساب الحق ولا يرفع صوته إلا ليخفض ألم غيره، وكان قريبًا من الجميع من الكبير قبل الصغير ومن الغريب قبل القريب، وله في كل ولاية صديق وفي كل مجلس محب وفي كل طريق ذكرى جميلة تركها بابتسامته وروحه البشوشة، وكان رغم مشاغل الحياة وفيًّا للزيارات والسؤال والودّ يقطع المسافات الطويلة لا لغايةٍ دنيوية؛ بل لأن قلبه اعتاد أن يصل الأرحام ويطمئن على الأحبة. فما أثقل الغياب حين يكون الغائب رجلًا يشبه أبا خالد.
إن الأمانة التي تركها على عاتق أبنائه خالد ووليد وخليل وعبدالله وراشد أمانة عظيمة فقد ترك فيهم سيرة أبٍ كريم ورجلٍ علّمهم أن الهيبة في التواضع وأن قيمة الإنسان فيما يقدّمه للناس من خيرٍ وإصلاح.
سيحملون اسمه كما أحبّه الناس وسيبقون الامتداد الطيب لذلك القلب الذي عاش نقيًا بين الجميع، وسيبقى اسمه حاضرًا في التل والمغدر وفي سوق سناو وفي المجالس التي اعتادت ضحكته وفي الطرقات التي حفظت خطواته.
ستفتقده الوجوه التي كانت تستبشر بقدومه والقلوب التي وجدت فيه سندًا وصديقًا وأخًا كريمًا. رحل أبو خالد… لكنَّ الرجال الحقيقيين لا يرحلون تمامًا؛ بل يبقون في دعوات الناس وفي الحكايات الجميلة وفي الأثر الطيب الذي لا تمحوه السنون.
سنظل نذكرك ما حيينا وستظل سيرتك عالقة في أذهاننا وستظل الرحلة إلى ولاية دماء والطائيين ذكرى لن تمحوها السنين. رحمك الله يا أبا خالد رحمةً واسعة وأسكنك فسيح جناته وجعل ما زرعته من خيرٍ ومحبة وإصلاح نورًا يضيء قبرك وذكرًا طيبًا لا ينقطع بين الناس.
