إلى الذين انتظروا الأربعاء

 

ريم الحامدية

reem@alroya.info

365 يومًا مرَّت، وعبرت كلَمحِ البصر، بين شروق ألهمني، وغروب علمني، بين موقف استقر في القلب فاستدعى الكتابة، وبين لحظة عابرة رفضت أن تمر دون أن تتحول إلى نص.

عام كامل تنقلت فيه بين رحلة في طائرة، وأخرى في قطار، بين مدن مزدحمة تشبه العالم، وأماكن هادئة تشبهني، بين أرقام أعلنت فيها الدول إنجازاتها، وبين مشاعر إنسانية صغيرة كانت تبحث فقط عمن ينصت إليها. بين الكتابة عن القوة، والقدوة، والدعم، وبين الكتابة عن الإنسان حين يضعف، ويتعب، ويحاول أن يبدو بخير بينما يخوض داخله معارك كاملة لا يراها أحد.

عام كامل، من الإصغاء العميق للحياة.. في البداية، لم أكن أعرف أنَّ هذه الرحلة ستأخذ مني كل هذا الشعور، كنت أظن أنني سأكتب مقالات أسبوعية وحسب، ثم أعود إلى حياتي بشكل طبيعي، لكن الذي حدث أنَّ الكتابة أصبحت جزءًا من يومي، من تفكيري، ومن الطريقة التي أرى بها العالم.

أصبحت ألتقط الحكايات من نظرات الناس، ومن الطرقات، ومن الصمت الطويل في بعض الأحاديث، ومن التفاصيل التي يمر عليها الجميع سريعًا بينما يتوقف عندها قلب الكاتب طويلًا. تعلمت خلال هذا العام أنَّ الكتابة ليست رفاهية، بل محاولة دائمة لفهم الإنسان، وفهم أنفسنا وسط هذا العالم المتغيّر.

عام من "لعنة" الوعي الذي يُرهق صاحبه بقدر ما يُنضجه، تنوعت كتاباتي عن أشياء كثيرة، لكن الحقيقة التي أدركها اليوم، أنني كنت أكتب عن الإنسان دائمًا، عن هشاشته، وقوته، وخوفه، ومحاولاته المستمرة للنجاة.

وفي كل أربعاء، لم تكن تُنشَر الكلمات وحدها، كان يُنشر معها شيء مني، مزاجي أحيانًا، قلقي، أسئلتي، والأفكار التي كانت تثقل صدري ولا أجد لها مكانًا سوى الورق، حتى النصوص التي بدت هادئة للقارئ، كنت أعرف جيدًا كم عاصفة مرت داخلي قبل أن تولد بهذا الشكل.

ومع الوقت، حدث شيء لم أكن أتوقعه أبدًا، بدأتُ أشعر أنَّ هذه المقالات لم تعد تخصني وحدي، أصبحتْ مساحة مشتركة بيني وبين أشخاص لا أعرفهم، لكنني أشعُر بقربهم بطريقة يصعب شرحها. رسائل كثيرة وصلتني خلال هذا العام، بعضها كان عابرًا، وبعضها بقي طويلًا في قلبي. أشخاص أخبروني أن مقالًا ما جعلهم يعيدون التفكير في أنفسهم، أو يشعرون للمرة الأولى أن هناك من يشبههم، أو حتى يهدؤوا قليلًا وسط كل ما يعيشونه.

ولا أخفيكم، في أيام كثيرة، كنتُ أنا أيضًا أحتاج هذه الكلمات بقدر حاجتهم لها. كانت هناك لحظات فكَّرتُ فيها بالتوقف فعلًا، لحظات شعرتُ فيها أن التعب أكبر من القدرة على الاستمرار، وأن الكتابة تستنزف جزءًا كبيرًا من الروح، لكن في كل مرة، كان هناك دائمًا من يُعيدني للحرف من جديد، قارئ ينتظر الأربعاء بمحبة، رسالة صادقة تصل في وقتها تمامًا، شخص يؤمن بما أكتب أكثر مما أؤمن أنا أحيانًا.

ولهذا، أنا ممتنة.. ممتنة لكل من قرأ، ولكل من انتظر، ولكل من شارك نصًا أو دعا لي دعوة جميلة أو أخبرني يومًا: كأنك كتبتِ ما بداخلي، ممتنة لكل من كان سندًا خفيًا دون أن يشعر، ولكل من منح هذه الرحلة روحًا أكبر من مجرد مقالات تُنشر أسبوعيًا.

لأن الحقيقة التي تعلمتها بعد عام كامل، أنَّ الكتابة لا يعيشها الكاتب وحده، كل نص يُولد، يولد معه شعور جديد، وعلاقة جديدة، وأثر لا يُمكن قياسه بالكلمات.

ومن حيث بدأ الحرف.. نُكمل اليوم عامًا كاملًا من الكتابة، والدهشة، والأسئلة، والامتنان. عامٌ لم تكن فيه المقالات مجرد نصوص، بل أجزاءً حيّة من العمر، ومن الشعور، ومن تلك النسخة التي تتشكّل داخلنا بهدوء مع كل تجربة، وكل لقاء، وكل كلمة.

ومن هنا أُجدّد الترحيب بكم، والامتنان لكم، مرة أخرى، لكل من عَبَرَ هذه الرحلة معي، ولكل قلب منح كلماتي مساحة فيه، ولكل من جعل للأربعاء معنى مختلفًا طوال عام كامل.

ها نحن نبدأ عامًا ثانيًا من الكتابة، أبدأه وأنا أتمنى أن تصل كلماتي إلى قلوبكم قبل أعينكم،
إلى طموحاتكم، وأسئلتكم، وصمتكم الطويل، إلى الإنسان داخلكم؛ ذلك الذي يحاول دائمًا أن يفهم الحياة، وأن يجد نفسه وسط كل هذا العالم.

وعسى أن نظل، في كل أربعاء.. نلتقي عند شعورٍ واحدٍ، ولو عبر الكلمات.

الأكثر قراءة

z