قراصنة البارالمبي الذين لم يصلوا إلى الكاريبي

 

أنيسة الهوتي

 

14 يوليو 2008، اتصل مختار الرواحي بمكتبي، وبصوت مبهتج وسعيد، بدون سلام، بعدما قلت: "آلوو مجان ترافل"

قال: "أخيرًا تحقق هدفنا."

سألته: "لقد رسمنا الكثير من الأهداف! فعن أيها تتحدث يا بابا؟"

باغتني قائلًا: “لدينا اجتماع طارئ وعاجل اليوم، متى ستخرجين من العمل؟”

أخبرته: “كالمعتاد، السابعة مساءً.”

قال: “كالمعتاد؟ إذًا سأنتظرك كالمعتاد، لا تتأخري.”

لم أكن مؤهلة نفسيًا للاجتماع، لكنني لم أرد الاعتذار منه احترامًا له، وحتى لا أفسد فرحته. فذهبت إلى مكان اجتماعاتنا المعتاد منذ بدأت أعمل معه كجندي مجهول في المجال التطوعي للأشخاص ذوي الإعاقة؛ مطعم دارسيز بالشاطئ.

وعندما رأيته، كانت ابتسامته الجميلة تمتد من الخد إلى الخد، وكان يحمل ظرفًا أبيض يحمل شعار وزارة الرياضة (سابقًا). وما إن لمحني حتى رفع يده وبدأ يلوّح بالظرف، وفرحته لا تسعه.

وحين اقتربت من الطاولة، سحب كرسيي بجانب كرسيه المتحرك، وقال: "فلنحتفل بميلاد اللجنة البارالمبية العُمانية."

اتسعت عيناي وقلتُ بدهشة: “آه… أخيرًا تم الاعتراف رسميًا باللجنة؟”

أجاب مبتسمًا: “نعم.”

فقلت بحماس شديد: “إذًا سنبدأ بجمع القراصنة من كل الولايات، ونجتاح العالم بسفينتنا البارالمبية العُمانية لنحصد الإنجازات، ولربما أجد القبطان سيلفر المنتظر بينهم.”

فضحك ضحكته العجيبة وقال: “أنتِ مجنونة…”

قلت له: “لم تقل شيئًا لا أعرفه.”

فقال: “وجنونك هذا هو ما يخيفني عليك، لذلك لا أريدك أن تأتي إلى مكتبي في التلفزيون، ولا أن يراك أحد.”

قلت له ضاحكة: “أنا الآن أصبحت قرصانة رسميًا، ورئيسة مافيا بيضاء بشبكة عنكبوتية عالمية… يعني أنا أخوّف، وما ينخاف عليّ بابا”، ثم غمزت له غمزة “هبلان”.

فضحك هستيريًا وهو يردد: “مجنونة… مجنونة.”

وبعد أن تناولنا “فيش آند تشيبس”، ثم “سبليت بنانا آيس كريم” حسب ذوقه، -وكان قد طلبهما قبل أن أصل، لأنه يعلم طبعي، بأنني لا وجبة مفضلة لدي فبالتالي أي شي على ذوقه ممتاز بالنسبة لي- قال: “للأسف يا أنوستي، لن تكوني الجندي المجهول بعد الآن. سأضطر إلى الإعلان عن وجودك، وستكونين دينامو اللجنة، والعضو المقرر، والأمين العام.”

ومن هنا كان مختار بوابة دخولي إلى البارالمبية، وقد جمعنا القدر بطريقة عجيبة.

بدأت معرفتنا باتصال منه بسبب تأخر رحلته في فرانكفورت. كان غاضبًا جدًا حتى إن الكلمات لم تكن واضحة من شدة انفعاله، ظنًا منه أننا نحن من أصدر له تذكرة بترانزيت طويل، رغم أنه على كرسي متحرك ومن دون مُرافق.

حاولت مساعدته رغم أن التذكرة لم تكن صادرة من مكتبنا، وبعد تواصلي مع شركة الطيران، وتواصلهم بدورهم مع مكتب السفر الذي أصدر له التذكرة بأمر شراء من وزارة التنمية الاجتماعية، وموظف الوزارة وضع التذكرة في "تكت جاكت" مكتبنا، وكان رقمي هو رقم الطوارئ لذلك اتصل بي مختار أو أن التدابير الكونية كانت كذلك، والمهم أن المشكلة حُلّت.

وبعد وصوله بالسلامة، جاء مُعتذرًا إلى مكتبي.

ومنذ ذلك اليوم اختارني لأكون ذراعه اليمنى في الأعمال التطوعية، حتى وصلنا إلى ليلة 14 يوليو 2008.. ليلة استلام سفينتنا البارالمبية.

ولكن، بعد أن ارتطم رأسي بالواقع، علمت أنَّ السفينة ليست سفينتنا، والقراصنة ليسوا قراصنتنا، حتى القبطان سيلفر ظهر ثم اختفى، وكأنَّه وهم.

خرج طاقم القراصنة، وجاء طاقم جديد، وغير دفة السفينة إلى مياه ضحلة دون نية خوض مغامرات في محيط الكاريبي.

ورحم الله مختار، وبدايات أيامنا الجميلة… أبٌ من ذوي الإعاقة لديه أحلام كانت تدفعه إلى خوض معارك بارالمبية، وابنة تعلمت من أبيها الروحي الإصرار والمثابرة والسعي حتى دون أخذ استراحة محارب، معركة وراء معركة.

وفجأة انتهت قصة قراصنة البارالمبي الذين لم يصلوا إلى الكاريبي!

الأكثر قراءة

z