سعيد بن عبدالله البيماني
يقول الراحل نيلسون مانديلا "سنعمل معا لدعم الشجاعة حيث هناك خوف، ولتشجيع التفاوض عندما يكون هناك صراع، وإعطاء الأمل حيث يوجد اليأس"، وهو ما قد ينطبق على موقف باكستان في فترة عصيبة من الصراع المتأجج بين الولايات المتحدة وإيران، حين عجزت أطراف عديدة أو ربما أحجمت عن الزج بأنفسها وسط موجات من الضربات المتبادلة، ووسط خطاب سياسي وإعلامي بلغ ذروته منذ قيام الثورة الإيرانية في 1979.
يأتي ذلك وسط انقسام في المواقف تجاه الصراع القائم، واتفاق مطلق على ضرورة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية، واستعادة النشاط الاقتصادي العالمي واستمرار آلية تصدير الطاقة إلى المستهلكين بما فيها باكستان التي ترى في استقرار المضيق والمنطقة أمرًا مهمًا لاقتصادها وأمنها البحري، حيث جاءت المبادرة الباكستانية في توقيت مفصلي وكعامل حسم لوقف إطلاق النار ومحاولة للوصول لصيغة توافقية لإنهاء الصراع وتداعياته، مما طرح تساؤلات عديدة حول دور إسلام أباد والذي قد يفسره البعض كاستغلال للفراغ السياسي الذي عجزت أطراف أخرى عن ملأه، الأمر الذي أضاف إلى باكستان ثقل إقليمي خاصةً مع تصاعد التوتر وازدياد المخاوف من استمرار الأزمة وتداعياتها على المستوى الاقليمي والدولي، وانعكاساتها الاقتصادية والأمنية على باكستان نفسها، مع قناعة بأن التوقيت المبكر للقيام بدور الوساطة يعطي مساحة أكبر للتفاوض، وكلما تأخرت المبادرة تصبح أطراف الصراع أقل قابلية للتنازل، وبالتالي فإن دخول باكستان في هذا التوقيت يحسب لها وإن كان محدودًا لأنه حدث في لحظة تحول وليس بعد استقرار الأوضاع.
قد يُنظر إلى المبادرة الباكستانية لإيجاد حل للأزمة بين الولايات المتحدة وإيران من خلال عوامل سياسية واقتصادية وجغرافية، فهي تمتلك علاقات جيدة مع الطرفين مع استغلال قنوات الاتصال الأخرى كسلطنة عمان وقطر والسعودية وتركيا للدفع بجهود الوساطة، مع الأخذ في الاعتبار بأن الاستقرار الاقليمي وكذلك الداخلي لإيران مهم لباكستان التي تمتلك حدود طويلة مع جارتها الغربية تصل إلى 900 كم، وأن أي فوضى سياسية في إيران ستكون لها تأثيرات طائفية وأمنية على باكستان، ناهيك عن التداعيات الأخرى على أسواق الطاقة وحركة التجارة الاقليمية والعالمية، ولذا وجدت إسلام أباد فرصة لإبراز نفسها كلاعب إقليمي مهم، وقوة دبلوماسية قادرة على لعب دور بارز وقت الأزمات؛ الأمر الذي يعزز من مكانتها السياسية وعلاقاتها الدولية، ورغم كل ذلك طرحت المبادرة الباكستانية الكثير من التساؤلات وربما الشكوك حول نوايا باكستان ولعبها لهذا الدور وفي هذا التوقيت.
باكستان وأطراف النزاع
لطالما كانت العلاقة بين باكستان والغرب وبالأخص الولايات المتحدة معقدة ومليئة بالتقلبات، ومن الممكن وصفها بأنها شراكة براجماتية أكثر من كونها تحالف قائم على ثقة متبادلة، حيث شهدت هذه العلاقة تقارب شديد في أحيان وتوتر حاد في أحيان أخرى تبعًا لمتغيرات الموقف والمصالح الاستراتيجية لكل طرف؛ حيث شهدت العلاقة إبان الحرب الباردة تقاربًا شديدًا سمح لباكستان بالانضمام إلى أحلاف مدعومة من قبل الولايات المتحدة كحلف بغداد وحلف جنوب شرق آسيا مقابل الحصول على مساعدات عسكرية ومالية، وبلغ هذا التعاون ذروته خلال الغزو السوفيتي لأفغانستان 1979؛ حيث لعبت باكستان دورًا بارزًا في دعم المجاهدين مع تلقيها لمساعدات مباشرة من الولايات المتحدة، لكن هذا الوئام لم يدم طويلًا فبعد انتهاء الحرب الباردة 1991 شهدت العلاقة قدرًا من الفتور خاصةً من ظهور البرنامج النووي لباكستان مما دفع الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات على باكستان، إلّا أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر أعادت ارتباط باكستان بالولايات المتحدة من خلال الدعم اللوجستي والاستخباراتي الذي قدمته إسلام أباد لواشنطن رغم ما شاب العلاقة من شكوك بازدواجية تعاطي باكستان مع محيطها غير المستقر.
وفي السنوات الأخيرة زادت شكوك الولايات المتحدة في نوايا باكستان خاصةً مع ازدياد تقارب إسلام أباد مع بكين عبر جملة من المشاريع الاقتصادية والشراكة الدفاعية وخاصةً التصنيع العسكري ونقل التكنولوجيا، وبالتالي فإن علاقة الطرفين تحدده موازين القوى الإقليمية والدولية دون ضمان تقارب سياسي واستراتيجي دائم.
في المقابل، ومنذ الانفصال عن الهند في 1947، حافظت إسلام أباد على علاقة جيدة نسبيًا مع طهران من خلال إدراكها للتماس المباشر مع جارتها الغربية، ويقينها بأن أي صراع إقليمي تكون فيه إيران طرفًا مباشرًا سيؤثر على باكستان فورًا، وستكون له تداعيات عدة منها التأثير على خطوط نقل الموارد الطبيعية كالنفط والغاز، واحتمال تدفق اللاجئين، ناهيك عن إمكانية تصاعد التوترات الطائفية داخل باكستان مع وجود ما يقرب من 20% من سكان باكستان من الشيعة الذين قد يشعلون أزمة داخلية، ولذا فإنه في أي تصعيد بين إيران والولايات المتحدة كالذي حصل إبان اغتيال قاسم سليماني قائد فيلق القدس في 2020 تسارع إسلام أباد بالتدخل بالطرق الدبلوماسية، مع التأكيد على ضرورة احترام سيادة الدول ونبذ استخدام القوة، مع التأكيد بعدم السماح باستخدام أراضيها ضد أي دولة مجاورة، خاصةً أن إسلام أباد تحافظ على علاقات جيدة مع طهران وواشنطن والرياض وغيرها من الفاعلين الاقليميين، في الوقت الذي تطفو فيه على السطح أحيانًا بعض التوترات بين إيران وجيرانها الخليجيين وإن كان مع بعض التفاوت الملحوظ، وبالتالي فإنه سيتوجب على إسلام أباد المحافظة على التوازن الدقيق الذي يمنحها دورًا إقليميًا، ويقدمها للعالم كدولة مؤثرة قادرة على حل النزاعات مما يمنحها وزنًا دبلوماسيًا أكبر.
لقد ألقت الأحداث الاقليمية الحالية بظلالها على المشهد السياسي والاقتصادي في ظل صعوبة التوصل إلى صيغة توافقية بين الولايات المتحدة وإيران الأمر الذي حدا بإسلام أباد للتدخل وتبني مبادرة للوساطة واستضافة مفاوضات مباشرة وعلى أعلى مستوى، وهي خطوة وصفها كثيرون بأنها نتيجة حسابات سياسية وأمنية دقيقة تأخذ في الاعتبار تداعيات التصعيد في المنطقة وانعكاساته على جيران إيران والمنطقة ككل، فالمبادرة الباكستانية لم تأتِ كردة فعل في لحظةٍ حساسة بل حمايةً مباشرةً لأمنها الداخلي، واقتصادها الذي لا يتحمل أية عمليات استنزاف من خلال الانجرار إلى صراعات اقليمية، وهو أمرر مبرر غير أن توقيت دخول إسلام أباد كوسيط طرح كثير من التساؤلات في الوقت الذي كانت فيه دول مثل سلطنة عمان وقطر والسعودية وتركيا ومصر تسعى لرأب الصدع وتخفيف حدة التوتر، فما الذي دفع بإسلام أباد هذه المرة لتبني دور الوساطة الذي لعبته سلطنة عمان بين الولايات المتحدة وإيران لعقود عديدة؟
دور اقليمي أم انتهاز للفرص؟
قد تكون هناك عدة تفاسير لدور الوساطة الذي تلعبه باكستان في توقيت صعب ومع طرفين طالما صاحب علاقتهما العداء الصريح منذ اندلاع الثورة الإيرانية في 1979؛ حيث يرى البعض أن تحرك إسلام أباد يأتي في إطار ضمان الاستقرار الاقليمي الذي هو ضرورة لانسيابية حركة الملاحة البحرية، وتدفق الطاقة إلى المستهلكين، وتجنب التوترات الداخلية في إيران، ناهيك عن احتمالات تدفق اللاجئين والتوتر المحتمل على الحدود، إضافة إلى الصدمات الاقتصادية المرتبطة بأسعار الطاقة والتجارة والشحن والتامين، وعليه اتخذت إسلام أباد موقف الوسيط لضمان عدم التصعيد، والبحث عن حلول دبلوماسية للأزمة؛ حيث أن الصراع المطول يهدد أمن المنطقة ويهدد أمن باكستان الداخلي كذلك، وبالتالي فإن دور الوساطة يأتي رغبةً في تجنب توسع دائرة الحرب الاقليمية، ومحاولةً لتهدئة التوترات بين الكتل المتنافسة، وضمان وجود توازن استراتيجي باكستاني مع جميع أطراف الصراع دون الانحياز لأي منها، وهو تجسيد للتقاليد السياسية الباكستانية التي طالما أبقت قنوات التواصل مفتوحة مع كافة القوى المتنافسة.
في المقابل، هناك من يرى بأن الخطوة الباكستانية تحمل في طياتها دوافع انتهازية ، حيث لاحت لإسلام أباد فرصة في الأفق لاستعادة مكانتها وتعزيز حضورها الدولي في الوقت الذي تعاني فيه من صعوبات اقتصادية مصحوبةً بعدم استقرار سياسي، ويراها البعض أقل مصداقية لأنها تسعى لتحسين صورتها في الخارج وخاصةً مع الولايات المتحدة، وتعزيز علاقتها بدول مجلس التعاون، مما يكسبها هيبة دبلوماسية، وقدرة على تقديم نفسها كقوة إقليمية لا غنى عنها، ويأتي هذا في إطار إعادة التموضع بعد سنوات من العزلة النسبية، ومحاولتها التوفيق بين علاقتها مع فاعلين إقليميين كإيران والسعودية خاصة مع وجود اتفاقية الدفاع المشترك مع الرياض التي تضع إسلام أباد في موقف حرج لا سيما في حال حدوث صدام مبشر بين إيران والسعودية، هذا إضافة إلى الحفاظ على علاقة متوازنة مع الأطراف الإقليمية والدولية الأخرى كتركيا والولايات المتحدة، وهو ما قد يسفر عن مكاسب اقتصادية، وتعاون أمني أوسع، وشراكات صناعية عسكرية وتخفيف عبء الديون، ومع اضطراب تدفق الطاقة اضطرت إسلام أباد إلى فرض إجراءات تقشفية، وتقليص فترة الدراسة وأيام العمل لتوفير الطاقة.
إنَّ ضمان تهدئة للوضع الإقليمي ستكون له مكاسب جمة لباكستان منها ضمان وصول النفط الإيراني إلى باكستان بأسعار زهيدة بمجرد رفع العقوبات، واستكمال خط أنابيب الغاز الإيراني-الباكستاني الذي طال انتظاره، وستضمن إسلام أباد من خلال عدم التصعيد ممر آمن للتجارة مع آسيا الوسطى عبر إيران حيث تم شحن أول دفعة من اللحوم المجمدة الباكستانية إلى أوزبكستان في أبريل 2026 مع الأخذ في الحسبان بأن طرق التجارة عبر "تورخم" و"شامان" أهم المعابر الحدودية الاستراتيجية والشرايين التجارية الحيوية في أفغانستان إلى آسيا الوسطى ما زالت معلقة مع استمرار التوتر بين باكستان وأفغانستان، كما أن الاستقرار الداخلي لإيران سيمنع محاولات التسلل الهندية عبر مشروع تشاه بهار عبر إيران إلى بلوشستان الباكستانية وبالتالي ستقطع إسلام أباد أي محاولة للتطويق من قبل نيودلهي.
وعلى النقيض تمامًا.. هناك من يرى بأن إسلام أباد قد تكون مشاركة في مؤامرة ضد طهران مع وجود الولايات المتحدة الحليف التاريخي لباكستان وكذلك إيران نقيضتها في المذهب والمنافس الأول للسعودية التي هي حليف أساسي لباكستان في المنطقة، وبالتالي فإن الوقوف على الحياد التام سيكون أمرًا في غاية الصعوبة، ويتجلى هذا الطرح من خلال الحراك العسكري وإعادة الانتشار الذي ما زالت الولايات المتحدة تقوم في وقت كانت تعقد فيه المفاوضات، منها دخول مدمرتين أمريكيتين إلى الشواطئ السعودية في الخليج العربي، ووصول قوات باكستانية إلى قاعدة الملك عبد العزيز الجوية بالقطاع الشرقي من المملكة مصحوبةً بعدد من الطائرات المقاتلة والأسلحة المتنوعة؛ الأمر الذي رآه البعض في إطار تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين، وهي الاتفاقية التي تعد تحوطًا استراتيجيًا للسعودية وطبقة إضافية من الردع، مع العلم بأن هناك أخبار تسربت بأن باكستان في نفس الوقت استضافت بعض الطائرات الإيرانية في قاعدة نور خان الجوية لحمايتها من أية ضربات عسكرية أمريكية منها طائرات آر سي-130 للاستخبارات والاستطلاع، وطائرات سي-130 للنقل التعبوي، وهو ما يستدعي إعادة تقييم عميقة لدور باكستان الفعلي في المفاوضات، مما يعني أن مبادرة إسلام أباد لم تكن إيثارًا بقدر ما كانت مناورة جيوستراتيجية لتحقيق مكاسب جمة بصبغة ضمان أمن المنطقة.
بقي عامل الصين التي تؤيد بشدة المسار التفاوضي الذي تتبناه باكستان مفضلةً الحل الدبلوماسي على التصعيد، فالصين تدعم إيران ليس لأن الأخيرة شريك أساسي في التجارة والطاقة فقط وإنما حليف استراتيجي مضمون في أي مواجهة مستقبلية مع الولايات المتحدة، فبكين لا تريد أي اضطراب في خطوط الملاحة وفي نفس الوقت تسعى إلى علاقة متوازنة مع واشنطن وهو ما اتضح خلال زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين في 13 مايو 2026، ولذا تفضل لعب دور خلفي لدعم المفاوضات بدلًا من تبنيها، وتشير تقارير إلى أن بكين ضغطت على طهران لقبول التهدئة والدخول في المفاوضات مستغلة حاجة إيران لتصدير نفطها للسوق الصينية.
خلاصة القول إن استضافة إسلام أباد للمفاوضات بين طرفين مهمين للغاية لأمنها القومي ينطوي على دوافع عدة، منها أنه بطلب من الولايات المتحدة التي تحاول إنهاء الأزمة بأقل قدر من الخسائر ولحفظ ماء الوجه، وقد تكون مدفوعة بأطراف أخرى كالسعودية التي تحرص كذلك على أمن المنطقة في وقت تحث فيه الخطى نحو تحقيق طموحاتها الاقتصادية التي تتطلب قدرًا من الاستقرار الاقليمي، ورغم التنافس الاقليمي مع إيران ترى في استقرار جارتها الشمالية وازدهارها فرصةً أكبر للتقارب، في وقت يكتنف فيه علاقتها مع الإمارات العربية المتحدة الكثير من الغموض، وبذلك فإن مخرجات دور باكستان وما سيؤول عنه الصراع سيُنبئ عن كثير مما ستكون المنطقة مقبلة عليه، وقد يتجلى لاحقًا الدور الحقيقي الذي تلعبه باكستان في وقت عصيب لها ولطرفي الصراع وللمنطقة بأكملها.
