هند الحمدانية
يقول الشاعر حسين جبارة: آتي إليك ببسمة فاستقبلي.. علقتها فوق الرتاج تقبلي.. هيا افتحي الباب العصي برقة.. ثم احتويها بالفؤاد وأقبلي.. عودي لنفسك فالحياة عزيمة.. بالحس جودي تصدحي في المحفل.. الشمس تشرق ترتضيك مليكة.. خوضي الغمار أصيلة لا ترحلي.. غوصي بذاتك واستمدي قوة.. ضد الكآبة بالإرادة كحلي.. لا تنثني لا تنحني لمكاره.. هلي بقامة نخلة وتجملي.
في زمن أصبحت فيه المرأة تطالب بأن تكون كل شيء دفعة واحدة، قوية بلا تعب، ناجحة بلا خوف، جميلة بلا نقص، ومتماسكة حتى وهي تتشظى بصمت من الداخل، تبدو العودة إلى الذات شيئًا يُشبه النجاة أكثر من تنمية الذات.
والحقيقة أن المرأة ليست هشّة بطبيعتها كما يحاول العالم أن يوحي لها، لكن بعض النساء استنزفت أرواحها مبكرا إلى الحد الذي جعلها تدخل الحياة وهي تحمل فوق قلبها أعمارًا كاملة من الخوف والخذلان والأسئلة المُوجِعة المُؤجَّلة.
فشخصية الإنسان لا تبدأ بالتشكل حين يلتحق بالمدرسة أو حين يبدأ باستيعاب العالم بعقله الواعي، بل تبدأ من تلك المساحات الأولى التي تُشكِّل وعيه النفسي والعاطفي، من المهد الأول، من نبرة الصوت الأولى، من الحُضن الأول، من نظرة القبول أو الرفض، ومن الطريقة التي شعر بها هذا الطفل: هل كان مستقرًا وآمنًا؟ هل كان محبوبًا ومقبولًا كما هو؟ هل كان مرئيًا حقًا؟ أم كان مضطرًا طوال الوقت لأن يبذل مجهودًا ليستحق الحُب؟
ولهذا فإن كثيرًا من النساء يستقبلن الحياة وهُنَّ يحملن ذاكرة عاطفية تشكَّلت منذ طفولتهن، ثم استقرت بصمتٍ داخل العقل اللاواعي، لتتحول لاحقًا إلى أنماط نفسية مُعقَّدة تتحكم بالعلاقات وردود الأفعال، والصورة التي تراها المرأة عن نفسها دون أن تنتبه.
جُرح الأم مثلًا قد يتخفى أحيانًا في غياب الاحتواء أو الحُب المشروط، أو النقد المستمر أو المقارنة، أو ذلك الشعور الصامت بأن الطفلة مُطالَبة دائمًا بأن تكون "أفضل" كي تستحق القبول، فتكبُر المرأة وهي تحمل سؤالًا داخليًا مؤلمًا: هل أنا كافية فعلًا؟
أما جُرح الأب، فهو لا يرتبط فقط بالغياب الجسدي، بل بعدة صور مختلفة كغياب الحماية أو الدعم العاطفي أو القسوة والعصبية الدائمة، أو غياب الثقة، فتنشأ المرأة وهي تحاول أن تبدو قوية طوال الوقت، بينما تعيش في داخلها حالة مؤلمة من الخوف وعدم الأمان، والحاجة المستمرة إلى التقدير الخارجي.
وتؤكد دراسات علم النفس الحديثة أن الخبرات العاطفية المُبكِّرة لا تختفي مع الزمن كما يظن البعض، بل تُخزَّن داخل الدماغ والجهاز العصبي، وتؤثر لاحقًا على طريقة الإنسان في الحُب واتخاذ القرارات، وإدارة مشاعره، وصحته الجسدية والنفسية، وحتى على نظرته لذاته واستحقاقه للحياة.
ولهذا فإن بعض النساء لا يَعِشنَ الحاضر بالكامل، بل يَعِشنَ من خلال جراح قديمة لم تُفهم ولم تُعالج وأسئلة سهلة مُمتنعة ما زالت عالقة هناك في العقل اللاواعي بلا أجوبة واضحة، فتجد المرأة نفسها تُزَج في علاقات تستنزفها، أو تتكرر عليها نفس الأنماط والمواقف المؤذية، أو تخاف من الرفض بشكل مبالغ فيه، أو تنهار أمام النقد ورأي الآخرين فيها، أو تبالغ في التضحية على حساب نفسها دون أن تدرك أن جزءا كبيرا مما يحدث هو انعكاس لطفلة قديمة ما زالت تحاول النجاة والتفسير.
والمؤلم في الأمر أن كثيرًا من الناس يعيشون هذا الصراع دون وعي حقيقي بما يحدث داخلهم، فهم يشعرون بالألم لكنهم لا يعرفون جذره، ويكررون الأنماط نفسها لكنهم لا يفهمون لماذا تتكرر، يحاولون الهروب من القلق والخوف والتفكير المستمر والفراغ الداخلي بالانشغال أو العلاقات أو الاستهلاك المادي، بينما تبقى الجروح القديمة كامنة في العمق، تتحكم بالمشهد من خلف الستار.
ومع ذلك فإن الوعي يظل دائمًا بداية التحول الحقيقي؛ فاللحظة التي تبدأ فيها المرأة في فهم نفسها بصدق وبدون أقنعة، هي لحظة الشجاعة النادرة؛ حيث تُواجِه جراحها القديمة دون إنكار، وأن تدرك بعض تصرفاتها وخوفها وتعلقها وردود أفعالها، وكل الأمور العالقة التي ربما يتبادر للآخرين أنها عيب أخلاقي لكنها في باطن الأمر آثار إنسانية لألم قديم جدا لم يجد من يحتويه في طفولته كما ينبغي.
ومن هنا تبدأ "عودة الملكة" كرحلة وعي عميقة تعود فيها المرأة إلى نفسها، وتفهم قصتها، وتتصالح مع طفلتها الداخلية، وتعيد بناء صورتها عن ذاتها بعيدًا عن الخوف والعار والنقد الذي سكنها طويلا، والمرأة حين تتشافى تغير شكل الحياة كلها، لأن المرأة المتصالحة مع ذاتها تصبح أكثر اتزانًا في علاقاتها، وأكثر وعيًا في أمومتها، وأكثر سلامًا في بيتها، وأكثر قدرة على منح الحُب دون تضحية.
ولهذا فإن قضية وعي المرأة هي قضية مجتمع كامل؛ فالأسرة المستقرة غالبًا تبدأ من أم متزنة نفسيًا، تعرف كيف تحتوي أبناءها دون أن تنقل إليهم جراحها القديمة، وكيف تمنحهم الأمان بدل الخوف، والقبول بدل النقد المستمر.
ختامًا.. إنَّ العالم رغم كل هذا التقدم الهائل، لا يبدو أكثر طمأنينة بقدر ما يبدو أكثر ازدحامًا وضجيجًا ووحدة داخلية، وقد استطاع الإنسان أن يختصر المسافات بين القارات، لكنه ما زال يعجز عن الوصول إلى نفسه، واستطاع أن يبتكر الآلات الأكثر ذكاءً، بينما لا يزال كثيرون يعيشون غرباء عن مشاعرهم وأحزانهم القديمة واحتياجاتهم الإنسانية الدفينة، ولهذا فإن معركة الإنسان الحقيقية في هذا العصر لم تعد مع الخارج وحده، بل مع هشاشته الداخلية أيضًا، مع الخوف والفراغ والتشتت والاغتراب النفسي الذي يلتهم الأرواح بهدوء تحت وهج الحياة الحديثة، ومن هنا تصبح عودة المرأة إلى ذاتها مطلبًا حضاريًا وإنسانيًا عظيمًا، ولهذا اكتب لكل امرأة تقرأ هذه الكلمات الآن: اقرأي.. اكتُبي... عبِّري عن صوتك الداخلي، اقتربي من وعيك، والتحقي بكل مساحة تمنح روحك فهمًا أعمق وشفاءً أصدق، لا تخجلي من البحث عن نفسك، افهمي قصتك، وتصالحي مع طفلتك القديمة، ثم انهضي للحياة بقلبٍ أكثر وعيًا، وعين أكثر بصيرة، وروح تعرف أخيرًا أنها تستحق الحُب والسلام والتقدير دون أن تضطر لإثبات ذلك لأحد؛ فالملكة الحقيقية هي المرأة التي استطاعت رغم كل العواصف التي مرَّت بها أن تعود إلى نفسها دون أن تفقد إيمانها.
