مهرجان كان السينمائي 2026 : الايراني اصغر فرهادي في – حكايات متوازية – يخرج فيلما فرنسيا .

كان – عبدالستار ناجي  
استطاع المخرج الايراني اصغر فرهادي ان يتنقل بين عواصم المعمورة ويحقق نتاجات سينمائية في العديد من تلك المحطات التى توقف به بعد انتقاله من طهران الى فضاءات عالمية ارحب . وهو في محطتة الجديدة من خلال فيلم – حكايات متوازية – الذى عرض في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي الدولي يصنع فيلما فرنسيا ولكن ذو عمق وبعد انساني اشمل .  
مشيرين الى ان فرهادي بدا مسيرته من خلال فيلم – الرقص في الغبار- عام 2002 و- مدينة جميلة – 2004 و – العاب نارية يوم الاربعاء – 2006 و – عن ايلي – 2009 – وتحفته الاكثر شهرة – انفصال – 2011 – و الماضي – 2013 و – البائع – 2016 – و – الكل يعرف – 2018 وهذا الفيلم صورة في اسبانيا ضمن منهجية الاشتغال مع صناع ومبدعين عالميين لتحقيق معادلة الحضور الابداعي والتماس الثقافي الانساني الثري بالنبض المتجدد .  
 في ثاني أفلامه الروائية الطويلة في فرنسا، يتأمل المخرج الإيراني في الخيال والواقع، لكنه لا يجرنا أبداً إلى دراما الخداع والمكر التي يقدمها مثل تجربته في افلام مثل – الكل يعلم – و- البائع – او غيرها من الاعمال التى تعزف على ايقاع المخادعة حيث تظهر الشخصيات بعكس من تضمر ويتورط المشاهد في لعبة المشاعر لتلك الشخصيات ودلالاتها . 
ياخذنا اصغر فرهادي في فيلمه الجديد الى حكاية سيلفي (إيزابيل أوبير)، الشخصية المحورية في فيلم "حكايات متوازية" روائية فرنسية تجاوزت أيام مجدها. تعيش في شقة باريسية قديمة فخمة بدأت تظهر عليها علامات التلف، وتفوح منها رائحة الماضي والفئران .  عندما تبدأ بالكتابة، تشعل سيجارة، وتضع نظارتها القديمة، وتجلس أمام آلة الكتابة الكهربائية العتيقة من نوع أوليفيتي، والتي من الواضح أنها نفس الآلة التي تستخدمها منذ عقود وهذة دلالات واشارات واضحة الى جيل انتهي وزمن ولي وثقافة تظل بامس الحاجة الى نبض وحياة جديدة .  
بينما تبدأ عملية الكتابة، تنقر على الآلة الكاتبة بضعة أحرف في كل مرة. من المستبعد، مع ذلك، أن يكون صوت كاتب مخضرم هكذا - بل على العكس، ستكون المفاتيح متناثرة. إنها تفصيلة صغيرة لكنها دالة، لأن فرهادي عادةً ما يكون حريصًا على الأصالة. لكن في فيلم "حكايات متوازية"، تبدو إيزابيل أوبير، التي تتقمص شخصية متذمرة بشكل مبالغ فيه، وكأنها لا تجسد روائية واقعية بقدر ما تجسد نسخة نمطية مبتذلة من كاتب فرنسي عريق، مستوحاة من أفلام الإثارة الرخيصة. تبدو الشخصية وكأنها لم تُستلهم من تجربة حقيقية بقدر ما انتُزعت من بحر من كليشيهات الروايات الرخيصة. وينطبق هذا إلى حد كبير على بقية الفيلم أيضًا . وكان فرهادي يظل يوحهة اصابع الاتهام لحال الثقافة والرواية والروائيين الفرنسيين على وجه الخصوص .  
يُعدّ فيلم "حكايات متوازية" عملاً مختلفاً تماماً عن أعمال فرهادي. فهو ليس أول مشروع يُصوّره هذا المخرج الإيراني القدير  في فرنسا، إذ سبقه فيلم "الماضي" (2013) الذي أخرجه عقب نجاحه العالمي بفيلم "انفصال". ورغم أنه كان قد بدأ بالفعل عملية الانفصال المؤلمة عن إيران (إذ تعهّد فرهادي عام 2024 بعدم تصوير أي فيلم هناك حتى يُرفع الحظر المفروض على تصوير النساء بدون حجاب)، إلا أن فيلم "الماضي" كان يحمل بصمة فرهادي المميزة بكل تفاصيلها. فقد تميّز بكثافة الدراما النفسية المنزلية، وبإبداعه المتدفق .  
وفي المقابل وعلى النقيض ، يُعدّ الفيلم الجديد تأملاً متضخماً في الخيال والواقع. تدور أحداثه حول تجسس الناس على بعضهم البعض، وهو ما قد يُشكّل نقطة انطلاق جيدة لفيلم. ولا أحد يُطالب فرهادي بالالتزام بأسلوبه المألوف، والذي غالباً ما يتسم بالبراعة الفنية، في الدراما الواقعية الجديدة.  
لكن فيلم "حكايات متوازية"، يمتاز ، بشئ من  الفوضى متعرجة وغير متماسكة. إنه أشبه بحكاية رمزية غريبة عن التلصص والخيال . وتظل معادلة التلصص حاضرة في النسبة الاكبر من احداثيات الفيلم .  
 تبدأ سيلفي بالتحديق عبر تلسكوبها الصغير نحو الشقة المقابلة لها في الطابق الخامس، فإن ما يحدث خلف تلك النوافذ ليس كما نتوقع. المكان عبارة عن استوديو لتسجيل المؤثرات الصوتية، حيث يقوم ثلاثة مصممي صوت بإنشاء ودمج مؤثرات صوتية . لكن الثلاثة متورطون أيضًا في مثلث حب: آنا (فيرجيني إيفيرا) ذات الشعر البني المجعد، والتي تربطها علاقة عاطفية برئيس الإنتاج الأكبر سنًا (فينسنت كاسيل)، تواعد زميلها الأصغر سنًا (بيير نيني) سرًا.وهي تغزل من خلال تلك الشخصيات مفردات روايتها الجديدة عبر مجموعة من التخيلات التى تبدو قريبة من الواقع .  
وضمن الخطوط والحكايات المتوازية تظهر شخصية  ابنة أختها، سيلين (إنديا هير)، التي تملك نصف الشقة، تقوم بتعريف خالتها علي  شاب من المتشردين يُدعى آدم (الفنان التونسي المتميزآدم بيس -شاهدناه في فيلم – حرقة - )، الذي أنقذ سيلين من نشال في مترو الأنفاق. يقوم آدم، الكئيب ذو المظهر الأشعث، بتنظيف الشقة .، ثم يأخذ مخطوطة سيلفي المهجورة - السيناريو الخيالي الذي كنا نشاهده في بداية الفيلم ولم يكتب للرواية الموافقة على الطبع لتقوم سيلين بتركها – فيما يدّعي ادم أنها مخطوطته. يُعطيها لامرأة تُدعى نيتا (تؤدي دورها أيضًا فيرجيني إيفيرا، بشعرها الأشقر الآن)، والتي يلتقيها في مقهى. يريدها أن تقرأ المخطوطة، حتى مع انتقال الفيلم الآن إلى عرض النسخة الحقيقية لما كان يحدث في تلك الشقة.  
وتمضي الاحداث بشكل بطئ وفي احيان كثيرة احداث لا تعمل على تطوير البناء الدرامي . وأكثر ما يثير الحيرة في فيلم "حكايات متوازية" هو قلة حيوية الشخصيات خارج نطاق هذه المناورات بين الخيال والواقع. ليس الأمر أن أداء الممثلين المستعاد والمكرر كما مع ايزابيل هوبير او حتى فنسنت غازيل .والحضور المقحم لكاترين دينوف .  
 في فيلم "حكايات متوازية"، لا يتلاعب فرهادي بالجمهور بقدر ما يُربكه بأسلوبه السردي الملتوي. ينجح الفيلم في أن يكون مشوشًا بشكل مُتقن رغم أنه ليس معقدًا للغاية. ربما يعود ذلك إلى أن الحكايات التي يرويها متوازية، بالفعل. يبدو الأمر وكأنها تتنافس على إحباط المشاهد .  
ونصل الى بيت القصيد ..  
فيلم – حكايات متوزاية – ليس بافضل افلام اصغر فرهادي ولكنه يظل يمتاز باحترافيته وايضا باشاراته الصريحة والناقد للحالة الثقافية الفرنسية اولا ولاهمية خلق جيل جديدة وقبل كل هذا الاشتغال على معادلة التلصص لبناء فعل سينمائي جديد يبتعد على منهجية فرهادي السابقة حيث المكر والخداع في بناء الشخصيات والاحداث . 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z