مهرجان كان السينمائي 2026 : فيلم – مينوتور – يصرخ ما هو قادم أسواء !

 

كان – عبدالستار ناجي

يقدم المخرج الروسي اندرية زفياغيتسيف ( يعيش لاجئا حاليا في فرنسا )  صرخة مدوية ضد الحرب والفساد الذي ينخر بلاده ضمن اطار فيلم مشبع باللغة السينمائية المتميزة والفعل الروائي الذي يأتى كذريعة لتمرير الشكل الذي يريده . بل انه يذهب الى حكاية الفيلم الفرنسي – الزوجة الخائنة – الذي كان قد كتبه واخرجة كلود شابرول ويقوم زفياغيتسيف باعادة تقديمه بمضامين اخراجية اضافية وطروحات فكرية تتمحور حول الفساد في روسيا وايضا التنديد بالحرب الروسية – الاوكرانية  .

ونشير هنا الى ان مخرجنا تعود في النسبة الاكبر من اعماله الى الاعتماد على الاسطورة اليونانية كما في فيلمه ليفاثين وهو هنا يذهب لذات النهج .

 يُمثل هذا العمل اول عمل يُخرجه المخرج أندريه زفياغينتسيف بالكامل خارج روسيا. (تم تصويره في لاتفيا، وهو إنتاج مشترك فرنسي-ألماني-لاتفي رسميًا). لكنه روسيٌّ إلى أقصى حد في ادق تفاصيله .

فيلم متقن الصنع، ثري بالاسرار والدلالات وايضا النقد وقبل كل هذا وذاك الحكاية الاسرة والمحاكة بعناية والمعقودة باحترافية مخرج كبير بقامة زفياغينتسيفوانتقاداً للوضع السياسي والروحي والأخلاقي الراهن في روسيا ، وهو إدانة لم تُقال بهذه الكلمات صراحةً، ولكن تم التعبير عنها بطبقات معقدة من السخرية . وهي واضحة عبر هيمة وسطوة العلاقات والمصالح وقوة الشركات والافراد والانشغال في حروب تغطي النسبة الاكبر من الحدود المجاورة لروسيا .

 

 تدور احداث الفيلم  في مدينة روسية مجهولة الاسم تقريبًا في نفس وقت بدء ذلك الغزوالروسي على اوكرانيا ، على الرغم من أن العملية العسكرية الخاصة في البداية تبدو مجرد حدث عابر. في إحدى المرات الأولى التي نرى فيها بطل الفيلم، الرئيس التنفيذي لشركة الشحن غليب موروزوف (ديمتري مازوروف)، في العمل، يُشير بهدوء إلى زميلته، رئيسة قسم الموارد البشرية ناتاشا (فارفارا زميكوفا)، بأن تُغلق تقرير الأخبار الذي تشاهده على حاسوبها المحمول والذي يُظهر قصف المدن الأوكرانية . ومشهد اخر عن مرور قافلة من الدبابات المحمولة ومشهد ثالث عن تجهيز الجيش بالملابس والمعدات واخر عن وداع مجموعة من المجندين الشباب وبكاء وعويل الامهات ..

 يُكلَّف غليب من قِبَل عمدة المدينة (فلاديمير فريدمان) بتقديم أسماء 14 رجلاً من عماله لإرسالهم إلى "مُجنِّدي" الجيش، وهم أشخاص سيُرسَلون مباشرةً إلى الجبهة دون أي معدات أو حماية كافية - وهي اشارة شديد الخطورة استقبلت بالضحك المقرون بالالم في صالة العرض ولا يمكن لها ان تمر في حال انتاج الفيلم داخل الاراضي الروسية .

اعتمد المخرج  زفياغينتسيف علي فريق ظل يعمل معه لسنوات طويلة واغلبهم اضطر للهجرة لخارج روسيا ولعل اشهرهم مدير التصوير ميخائيل كريشمان الذي يعمل حاليا في السينما الفرنسية والاوروبية بشكل عام .

 مرة أخرى، يبدو كل ما يتعلق بالحرب في البداية جزءًا من خلفية القصة، إلا أن هذه الخلفية تبدأ بالظهور تدريجيًا مع تقدم الأحداث، حيث تظهر رسائل وحتى شخصيات على لوحات إعلانية دعائية تعرض المال للمتطوعين للقتال أو تحتفي بـ"الأبطال" الذين سقطوا، بلغة روسية ذات طابع سوفيتي واضح. لا شيء هنا عشوائي أو عرضي، حتى الشخصيات التي نراها في الشارع بأطراف مبتورة أو على كراسي متحركة، ربما ناجون من صراعات الشيشان أو جورجيا أو دونباس وغيرها من المدن التى تستعر بها حرب ضروس دخلت عامها الرابع او الخامس .

وسرعان ما ياخذنا الفيلم الى حكاية  غليب المشغول الذهن والذي يعيش بصراعٍ داخليٍّ أشدّ وطأةً، بينه وبين زوجته غالينا (إيريس ليبيديفا)، التي بدت شاردة الذهن بشكلٍ ملحوظ، تبتسم لرسائل هاتفها، وتدّعي أنها ذهبت إلى مصفف الشعر في المدينة، لتعود بتسريحة شعرٍ لم تتغير تقريبًا.

 يشعر غليب أن هناك شيئًا مريبًا. يُكلف رئيس أمنه نيكولاي  بإجراء تحقيق خاص، وسرعان ما تظهر الأدلة على أنها على علاقة غرامية مع مصور يسكن في شقة تقع في حيٍّ شعبي ، ضمن مجمع سكني اجتماعي مُتهالك. إنه ذلك النوع من الأحياء حيث، على الرغم من وجود مئات الوحدات السكنية المطلة على قطعة أرض قاحلة مشتركة وهي اشارة واضحة الى نضوب العلاقات الانسانية والاجتماعية .

يذهب ليب لزيارة العشيق ويقوم باغتياله ورمي جثته في النهر . ورغم محاولات البحث من قبل الزوجة الا انه لا تجده حتى حينما تعثر على الدليل بان زوجها وراء اختفاء عشيقها تسكت لانها تعرف قوة وسطوة زوجها وعلاقاته بحيث يتم العثور من قبل احد المحققين على صورته وهو يدخل شقة القتيل ولكن العلاقات بين القاتل جليب والمحقق تجعله يقفل الملف كما اقفل المحافظ العديد من الملفات بعد ان تبرع جليب بملابس وهدايا للجيش الروسي .

وفي المشهد الختامي نشاهد غليب وزوجته وابنهما يقومون برحلة الى اليونان وحينما تحلق الطائرة فوق تلك المدينة الروسية المزعومة يلاحظ الابن وجود سحب سوداء كثيفة وكأن الفيلم يصرخ – ما هو قادم اسود واعتي مما سلف – وكان كل ما شاهدناه من احدث وجريمة قتل واخفاء اثارها وترحيل الجنود الشباب الى حروب عبثية يبدو امرا بسيطا امام ما هو قادم من دمار يصيب الجميع .

فيلم – مينوتور – يصرخ .. ما هو قادم اسواء عبر لغة سينمائية عالية الجودة ترسيخ قيمة ومكانة مبدع سينمائي روسي رصين هو اندرية زفياغيتسيف .

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z