المسيرة الثقافية العُمانية ووسام التميز

 

 

 

محمد بن رامس الرواس

اتفقت الحضارات والامم قديمًا وحديثًا أن بناء الإنسان لا يتحقق بالاقتصاد وحده، إنما ببناء الوعي والهوية والمعرفة والقيم والمبادئ ومن هنا جاء البيان الختامي لمؤتمر اليونسكو العالمي للسياسات الثقافية والتنمية المستدامة “موندياكولت 2025” في برشلونة الذي اعتمد إعلانًا ختاميًا تاريخيًا يكرّس الثقافة كـركيزة أساسية للتنمية المستدامة؛ حيث دعا الإعلان إلى دمج الثقافة في السياسات العامة، وتعزيز الحقوق الثقافية، وإدراجها كهدف مستقل في أجندات الأمم المتحدة التنموية لما بعد 2030؛ ليؤكد أن الثقافة عنصر محوري في مستقبل الأمم وأن حماية التراث، وتعزيز الصناعات الإبداعية، وضمان المشاركة الثقافية، والتحول الرقمي الثقافي، كلها أدوات رئيسية لتحقيق التنمية الشاملة.

لقد أدركت السلطنة عبر حضارتها التاريخية وسلاطينها العظام أن بناء الإنسان يسبق بناء الحجر، وأن الأمم التي تفقد ذاكرتها الثقافية سرعان ما تفقد قدرتها على البقاء والتأثير في نفسها وممن حولها وفي محيطه الاقليمي والدولي، ولذلك بدا لكثير من المتابعين، عند صدور بيان اليونسكو الأخير أن عُمان سبقت بعض تلك التوصيات بسنوات طويلة، لا عبر الشعارات والخطابات، بل بالممارسة الواقعية التي امتزجت فيها الثقافة بالتنمية، والتراث بالاقتصاد،

لقد آمنت السلطنة بحق الإنسان في المشاركة الثقافية، فجعلت الثقافة قريبة من الناس بكافة المحافظات والولايات العُمانية. ومن يتأمل المشهد الثقافي العُماني اليوم، يرى كيف تحولت المحافظات والولايات إلى منصات حية للتفاعل الثقافي؛ معارض كتب، وملتقيات أدبية، ومسارح، ومبادرات شبابية، وجمعيات أهلية، ومراكز ثقافية، وبرامج تُعنى بالموروث واللغة والفنون الشعبية والحرف التقليدية. الجميع بات له نصيب من الضوء الثقافي عبر المبادرات المجتمعية والأنشطة اللامركزية التي عززت حضور الثقافة في تفاصيل الحياة اليومية للمجتمع العُماني وهذا ما يتفق ويخدم رؤية عُمان وتأكيد مسارها نحو اللامركزية.

في جانب صون التراث الثقافي، قدمت السلطنة نموذجًا متوازنًا بين حماية التراث والانطلاق نحو المستقبل، فمن القلاع والحصون والأسواق القديمة، إلى اللبان العُماني، والفنون البحرية، والحرف التقليدية، والحضارة العُمانية، كانت ولا تزال تدرك أن التراث ذاكرة أمة وروح شعب وتاريخ وطن، ولهذا لم تتوقف جهود الترميم والتوثيق والتسجيل العالمي، بل امتدت إلى تحويل التراث إلى عنصر جذب سياحي واقتصادي وثقافي يخلق فرص العمل ويحفظ الهوية في آنٍ واحد، وهو ما يتفق بصورة مباشرة مع ما أكد عليه بيان اليونسكو بشأن حماية التراث المادي وغير المادي فدمجت السياحة بالتراث في وزارة واحدة.

أما الصناعات الثقافية والإبداعية التي وصفتها اليونسكو بأنها محرك اقتصادي للتنمية المستدامة، فقد بدأت السلطنة تُعيد تشكيل حضورها فيها بصورة لافتة. فالمشهد الثقافي لم يعد قائمًا على الفعاليات التقليدية فقط، بل اتجه نحو دعم ريادة الأعمال الثقافية، وتشجيع النشر، وصناعة المحتوى، والإنتاج الفني، والتصميم، والسينما، والهوية البصرية، والحرف الإبداعية، حتى غدت الثقافة جزءًا من الاقتصاد الوطني الجديد الذي يتماهى مع مستهدفات رؤية عُمان 2040، الساعية إلى بناء اقتصاد متنوع قائم على المعرفة والابتكار.

كما تُعد الاستراتيجية الثقافية العُمانية (2021-2040) جزءًا أصيلًا من رؤية عُمان 2040، وتهدف إلى بناء منظومة ثقافية متكاملة تعزز الهوية الوطنية، وترسخ التراث العُماني الأصيل مع الانفتاح على الثقافات الإنسانية،

وأبرز مستهدفاتها حماية التراث الثقافي المادي وغير المادي، وتوثيق المخطوطات، وتعزيز قيم الانتماء والمواطنة وتحويل الثقافة إلى مورد اقتصادي عبر دعم الصناعات الإبداعية والابتكار، وتوفير تسهيلات للمشاريع الثقافية، وتعزيز الشراكة بين وزارة الثقافة والمؤسسات الثقافية والقطاع الخاص والمثقفين، كما تهد إلى جعل المشهد الثقافي العُماني واجهة حضارية، منفتحة، ومصدرة للإبداع.

والتحول الرقمي الذي يشهده القطاع الثقافي في السلطنة يعكس فهمًا عميقًا لمستقبل الثقافة في العصر الحديث؛ حيث توسعت المبادرات الرقمية، والأرشفة الإلكترونية، والمنصات الثقافية، والخرائط التفاعلية للتراث، واستخدام التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في التوثيق والنشر والوصول إلى الجمهور، بما يضمن بقاء الثقافة حيّة في وجدان الأجيال الجديدة، وقد تُوِّج هذا التوجه بإصدار جلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه – المرسوم السلطاني رقم (50/2026) بإنشاء “منطقة الذكاء الاصطناعي الخاصة”، وهي خطوة استراتيجية تؤكد أن عُمان لا تنظر إلى التكنولوجيا بوصفها أدوات تقنية فحسب، بل باعتبارها شريكًا في بناء المستقبل الثقافي والمعرفي للبلاد.

إن التجربة العُمانية في هذا الجانب لم تأتِ من فراغ، بل تأسست على رؤية قيادية آمنت بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية للوطن، وأن الثقافة ليست هامشًا في التنمية بل قلبها النابض. ولذلك استطاعت السلطنة أن تحول كثيرًا من مبادي اليونسكو منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، التي تهدف إلى تعزيز السلام والأمن عبر التعاون الدولي في التربية، والعلوم، والثقافة، لحماية التراث العالمي، إلى واقع ملموس يجسد على الواقع، ويظهر في تفاصيل الحياة اليومية للمجتمع العُماني.

ولقد قامت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) بشهر مايو الجاري بمنح جلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله -وسام التميز الثقافي العربي من الفئة السامية مما يؤكد ان تكريم جلالته حفظه الله بهذا الثقافي العربي انا جاء ليوكد الدور الحضاري الرائد لدور جلالته ودور سلطنة عُمان في ترسيخ الثقافة وقيم الحوار والتسامح وتعزيز التقارب الإنساني والتنمية المستدامة، وبوكد المكانة الثقافية والحضارية الرفيعة التي وصلت إليها سلطنة عُمان، ودورها البارز في نشر قيم الحوار والتسامح والتعايش، ودعم الثقافة والمعرفة باعتبارهما أساسًا لبناء الإنسان وتعزيز الاستقرار والتنمية.

وهكذا، بينما كانت بعض الدول تناقش في المؤتمرات كيف يمكن إنقاذ الثقافة، كانت عُمان تبني نموذجها بهدوء؛ نموذجًا يقول للعالم إن الثقافة حين تُدار بحكمة تصبح وطنًا يحفظ الإنسان، ويصنع المستقبل، ويمنح الأمم تأثيرًا إيجابيًا فاعلًا يمتد مع الأجيال.

الأكثر قراءة

z