حمد الناصري
فكّر أحمد وقدّر.. وحدّث نفسه: كيف أطيّب خاطر أمي؟ كيف أُسمعها قصة جميلة عن موقف فقدان فردة "النعل"؟ هل أقصُّ عليها حكاية صِبية المدينة الذين اتفقوا على أن يسرقوا أحذية المصلين؟ هل أضيف عليها قليلاً من "البهارات" في مذاق السرد، أم ستزداد غضباً من تلك القصة الطريفة؟ الحقيقة أنّ في الحدث موقفاً عجيباً؛ صِبيةٌ قرروا سرقة أحذية المصلين، اتفقوا معاً ثم اختلفوا عند التنفيذ.
موقفٌ شدّ انتباهي، موقفٌ عجيب! والسؤال: لماذا اختلفوا؟ هل من حيث الطريقة، أم أنّ الضمير استوقف بعضهم؟ لا.. ربما تنزعجُ من الحكاية، أو تراها مجرد تبريرٍ لفقدي نعلي؛
إذن، سأحدثها عن قصة حكاها أبي عن " المهاتما غاندي" الذي سقط حذاؤه، فخلع الأخرى لتستقر بجوار الأولى بجانب سكة الحديد.
فعل غاندي ذلك مُعللاً بأنّ الفردة الثانية إذا استقرت بجوار الأولى، فسيجدها فقيرٌ وينتفع بها، لأنّ فردةً واحدةً لن تفيد أحداً.
هزّ رأسه، فكرة جيدة وقصة محبوكة.. قصة في قمّة العطاء، قصة ممتعة، فردة نعْل واحدة لا تكفي.؛ سأقول لها إنني فعلت الشيء نفسه؛ كما فعل "غاندي" رمى فردة نَعْله حين سقطت إحدى فردتيْ حذائه على سكة القطار، ولمّا لم يتمكّن من استعادتها خلع فردة النّعْل الأخرى ورماها فسقطت بجانب أختها الاولى.
وأنا سأقول لأمي، إني وجدتُ صبيّاً مثلي حافياً، فتركتُ له الفردتين بجوار بعضهما ليستفيد منهما.. إنها فكرة جيدة، ستجد تقديراً عندها، أو تلقى إعجاباً لديها؛ فما يهمني أن تجد أعمالي طريقاً إلى نفس أمي أو تكون محل إعجابٍ وتقدير.
يجب أن تبدو الحكاية صادقة، وأطيّب خاطر أمي بأسلوبي وبطريقتي.. تحمحمَ.. خفّض صوته وقال:
ـ أمي، سأقصُّ عليكِ حكايةً جميلة؛ حكاية صِبْية قريةٍ توصف بأنها قلب المدينة الكبرى، قصةً عايشتُها ذات يوم بصحبة أبي في المدينة الكبرى.
كانت مريمُ يطيبُ خاطرها وترتاح نفسها إذا أثنى أحدٌ على زوجها عبدالله، أو كشف عن مآثره أمامها.. وبهدوءٍ قال أحمد:
ـ أنتِ تعلمين جيداً أنّ أبي لا يتهاونُ في أمر الصلاة؛ وذات مرة، ابتسم وهو يرفع نظره إلى أمه، وقال: القصةُ منذ أيام صِغري قبل سِنين مضت، لمّا وصلنا المدينة اتجهَ صوب مسجدٍ كبيرٍ فخمٍ بمعنى الكلمة، والتفتَ إليَّ وقال: إنْ تأخرتُ عليك في صلاتي، فانتظرني عند باب المسجد. وأشار إلى موقع حفظ الأحذية؛ وهي خزائنُ على شكل رفوفٍ متراصة، مُخصصةٍ للأحذية.. فأومأتُ برأسي: نعم.. حاضر.
وبقيتُ أترقبُ صبيةً كانوا ينظرون في وجهي، قلتُ في نفسي: لعلهم يعرفونني، فاقتربتُ منهم توهّماً وحسبانًا مني -كما بدا لي- أني قد أعرفُ بعضهم، وتشبثتُ بالظن الحسن. ابتسمتُ وسلّمتُ، فلم يردّ أحدٌ منهم السلام، ولم يبادلني أحدٌ المودة فأطمئنَّ به.
وبدا لي، أنهم كانوا في مثل عُمري تقريباً. في هذه اللحظة، كان أبي قد سبقني إلى داخل المسجد، ولم أدخل معه؛ فقد تأخرتُ لرغبتي في التعرّف على أولئك الذين سلّمتُ عليهم.
كان صرحُ المسجد واسعاً يشرحُ الصّدر، وعِمارتهُ الإسلامية عريقة لها شَجن، تمزجُ بين الجمال وثقافة الترابط الحضاري بين الناس؛ قيمٌ وإبداع وروحانية عميقة، هويّة بشرية رائعة، وفنٌ تُزيّنه زخارفُ هندسية وإتْقان يُلامس الشُعور المسكون بالهَيْبة والجمال.. وقبّة ذهبية ومآذنُ بتصميم مُذهل؛ إنه حقاً تجاوز وصفه كمجرد مسجدٍ تُقام فيه الصلوات، بل هو تحفةٌ مِعْمارية تقليدية فريدة. المسجد ذو سِمات تاريخية: محرابٌ ومآذنُ وقبابٌ وساحاتٌ مفتوحة مُزدانة بأشجار ونخيل وأعمدة خارجية تعكس الذوق الرفيع، وتُجسّد عِمارة وضّاءة مُشرقة.
قالت أمه بتعجّب:
ـ كلُّ هذا فقط شرحٌ عن عِمارة المسجد؟! ادخل في أصل الحكاية.. قُل القصة مع الصبية وتجنّب ما خفي من حالها، تماشياً مع القِيم.؟
هزّ أحمد رأسه وتمتم: حاضر يا أمي، كما تأمرين.. لكني سأتمم فقط وصف قبة المسجد وجمالية روحانيتها في داخلي؛ لقد أشعرتني جمالية المسجد بأنها تحفة معمارية ليس كمثلها عمارة عصرية؛ تفرّدت القبة بكونها شاهقة، وتميّزت بجمال منظرها، عِمارة لم أرَ لها مثيلاً في تلك المدينة الكبرى ولا في ضواحيها.. أبهرتني بصدق.
وأما حكاية الصِبية، فهي كما يلي:
ـ أنتِ تعلمين أنّ الوقت مع أبي يمرُّ سريعاً؛ فهو طيّبٌ، سهلُ المعشر، لطيفٌ إلى أبعد الحدود، ليّنٌ حتى في غضبه.. ابتسمَ وكأنه يُمازحها: ماذا تقول أم أحمد في ذلك؟
سكتتْ، ومالت بوجهها جانباً كأنّ أحمد أخجلها حينما ذهب بها إلى ذكريات زوجها؛ أخفت ابتسامتها ولم تُظهر ضعفاً، رغم أنّ ذكريات زوجها عبدالله كانت تمنحها لحظةً تُسعدها بالحديث عنه.
ساد صمت بين أحمد وأمه، صمتٌ مفعمٌ بالمشاعر، هل سيكسر أحمد هذا الصمت.. ويبدأ بسرد تفاصيل ما فعله الصبية عند خزائن الأحذية أم يتوقّف عند موقفه الرافض للفِعل القبيح، سرقة الأحذية من أمكنتها.؛
بقيَ في حيرةٍ من أمره؛ هل يُحافظ على طُهر ذكرى أبيه فلا يحكي مثل هذه القصة الحقيرة، أم ينطق بالحقيقة كما هي حتى لو أثارت تلك الفِعلةُ غضب أمه؟ فلا بدّ من إيصالِ درسِ أبيه في الأمانة. وأخيراً حسمَ أحمد أمره، وانتصرت رغبته في إيصال خبر تلك الفِعلة الحقيرة إلى أمه دون أن يخدش صورة الصّبية، فقال: دعيني يا أمي أقصَّ عليكِ ما حدث.
سكتتْ وتبدّل حزنها إلى فرحٍ وسرور، فقالت:
ـ أعد عليّ طريقة السرد ووصف عمارة المسجد الكبير، فقد أعجبتني طريقتك. ثم تمتمت تترنم بأبياتٍ شعريةٍ بصوتٍ خافت، متأثرةً بمعانيها:
أوَدُّ مِنَ الأيّامِ ما لا تَوَدُّهُ ** وأشْكُو إلَيْها بَيْنَنا وهيَ جُنْدُهُ
يُباعِدْنَ حِبّاً يَجْتَمِعْنَ ووَصْلَهُ ** فَكَيْفَ بحِبٍّ يَجْتَمِعْنَ وصَدُّهُ
سكتت برهةً وأردفت: الله عليك يا متنبي! ليس كمثلك شاعرٌ في هذا الجمال الآسر، جمالٌ يُبرز مشاعر الحزن والفقْد، ويصف الحالة الشعورية بعمقٍ وبطريقةٍ مؤثرة.
غرقت مريم في هدوءٍ، في حضرة سحر البيان الشاعري، كأنما دمجت مشاعرها بوزن قافية المُتنبي. ثم استأنفت بنفس الترنم:
زوجي خُلقُ الحياةِ وحبيبٌ تُديمه الأيامُ ·
فما طلبي منها غير ذكرِ حبيبٍ أودُّهُ.
قال أحمد بسرور وابتهاج: هل هذا من شعرك يا أمي؟
فردت الأم بتلطّفٍ ورقةٍ وحُسنِ أدب:
ـ لا يا أحمد، هذا شِعرٌ حفظته من زمن.. وقد بدّلتُ بعض مفرداته الشعرية لينسجم مع صوتي، وتتناسب كلماته مع طبقة نبري، وما بدّلته من مفرداتٍ كان فقط لأجل انسياب الصوت؛ فما أهتمُّ به هو تحسين الطبقة الصوتية، وهو أسلوبٌ أستخدمه لتحسين الأداء الصوتي وإثراء المعنى. ولا أتذكر قائل الأبيات بالضبط. ثم أنّها كلمات أحبّ وفاءَها، أعبّر بها عن مكانة زوجي، شريك حياتي ورفيق دربي.
ضحك أحمد وقال مُداعباً أمه بصوت خافض:
ـ ما يعني.. أنّ أمي قامت بتطويع المفردات والكلمات مع الحفاظ لأصل القصيدة الشعرية. أليس كذلك.؟
ـ نعم.. ربما هو كذلك. أمك يا أحمد طوّعت الكلمات وتصرّفت في الألفاظ لتناسب جمال صوتها واستبدلت المُفردات لتكون ملائمة للغناء، أنا أحب الشعر الغنائي.. ابتسمت ثم أردفت، لكنكَ لم تُكمل لي قصة الصّبية، وحبّذا لو أوجزت الشرح، فخير الكلام ما قلّ ودلّ إلى المعنى والمُراد.
ـ طيب أمي.. أخذني أبي إلى مسجد المدينة الكبيرة لنصَلّي معاً الجُمعة، وكان المسجد، جامع كبير، يجمع بين التصميم المعماري وبين روعة جماليات الصرح ومساحاته الخارجية. وكما هو واضح من العِمارة أنّ المسجد قد بُني حديثاً، كان الجامع تُحفة معمارية، يتميز بعمارة جمعت بين الطراز التقليدي وبين العِمارة العصرية ـ تعلوهُ قبّة منقوشة بزخارف دقيقة تسر الناظرين وتشرح الانفس يكسوها اللون الذهبي المُهيب ومآذنه عالية بطراز رفيع، يدلّ على رمزية تاريخية وذوق رفيع دمج بين الفن القديم والحديث.
كنتُ أرقب صِبْية المدينة من بَعيد، يومها كنت أراقب بعيني، بعض صِبية المدينة على أبواب المسجد، إذ قام أحدهم خِلْسة بسحب حذاء يُناسب قدميه من صُندوق الأحذية، واسْتمر في مَشْيته وكأنه لم يَفْعل شيئاً.. وسمعت أحد رِفقته يقول له:
ـ أخي هذا عملٌ مَذموم.!
قاطعه أحد الرُفقاء بوجه مُتجهم، محاوراً:
ـ دَعْهُ يأخذ حقّه بيده فهذه الطريقة التي نقدر عليها.!
ـ ولكن.. لا يجوز أن يأخذ حقه بطريقةٍ مُشينة، فذلك خطأ وجُرم محرّم.؟! فالظلْم لا يُواجه بِظُلم مِثْله.. ألم تقرأ، "وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا "!
قال الصبي الذي أيّد السارق بوقاحة وكأنه يتبنىّ الموقف المذموم ويدعمه:
ـ لا شأن لك.. نحن نأخذ حقّنا من الأغنياء الصاخبة بطريقتنا.. مدينتنا هذه ونعرف أغنياءها بأنفسنا، البلدة شهدت تغيرات سريعة، ازدهرت اقتصادياً، تقدّمت الصناعة، تحسّنت أحوال الهوامير.. وازدادت الفجوة بيننا. لو كنت من هذه المدينة لفعلت ما فعله تمامًا.؛ قد نختلف في التصرّفات لكنه جاء نتاج لسلوك الهوامير.. وذلك ما نستطيع إليه.؛
فقلت له مقاطعاً:
ـ أخي لا تكلمني عن السوق ولا عن الكبار كما وصفتهم الأغنياء، حدثني عن التخمة التي سببها أنتم.
زعق الصبي بصوت مريب:
ـ نحن السبب.؟
ـ نعم أنتم.؟ أنتم من يملك القدرة الفعلية لتوجيه السوق.. أنتم سبب هذه الفجوة كما تقول بينكم.؟ ارتفعت الأسعار ـ استمريتم في الشراء، حتى صار سلوكاً عادياً، او قُل سلبياً هم يرفعون السعر وأنتم تشترون باشتهاء.؟ قل لي فمن المذنب.؟ أنت تخلط الان بين سلوك جشع التجار والاغنياء وبين السرقة وخلق سلوك سلبي، لتحقيق مكاسب حرام؟
قال الصبي.. كيف فهمني يا فهيم.؟
قلت له: استمراركم بالشراء يعني يزداد البيع وزيادة البيع يعني ارتفاع السعر وزيادة السعر عبء عليكم ثم تُعالجون الزيادة المرتفعة بسلوك مذموم.
قال صبيّ ناصح، ينهى عن تلك الفِعلة المذمومة، وهو يعِظ السارق برفق ولين:
ـ إن دعتك قُدرتك على سرقة حذاء من المسجد، فقد تتضمّن سرقة أكبر، إنْ كنت في موقع المسؤولية.
ضحك السارق بقهقهة عالية:
ـ غريبة، أنّ لك موقف.. وقد جئت معنا وتعلم نيّتنا.. أنت من أسررت لنا بقلّة الأدب.. من فضلك، كفى من نصائح ـ أرشد نفسك في السرّ قبل العلن، دع عنك الجهر بالأفعال الطيبة الصادمة منك وأنت في موضع غير أخلاقي.. سؤالي، لماذا أتيت معنا.؟ إن لم تكن تعلم مقصدنا.. وإن كنت تعلم، فكفّ لسانكَ عنّا، لا تُدلي بآراء مُتعجرفة مثلك، تُنافي قِيم ما في داخلك.؛
التفتُ إلى ذلك الصبي الناصح وهمستُ له:
ـ لا تعبأ بهم، أصحابك محدودي الوعي.. يتنمّرون عليك، لا تأبه بهم ولا تكترث.. إنهم صِبية مفكّكين لا ثقة به. فلا تُصاحبهم من بعد هذا اليوم.. واستمر في الرُشد، واسْعى إلى كل عمل جميل.. إنه نهج يمنحك الإلتزام ويضمن لك الانضباط ويُشعرك بالطمأنينة.
كانت أمّه تستمع إليه في هدوء وتمعّن:
ـ هل اقتنع الصبيّ الذي أنكر على الصبية أفعالهم القبيحة.؟
ـ ظلّ الصبيّ ثابتًا على موقفه، لم يُظهر الحق، لكنه مقتنعاً في داخله، أنّ ما يقوم به عمل مُشين أو أنه قد فهم، أنه انجرّ إلى سلوك الخطأ.
ـ نعم أمي، الموقف يدلّ على التمرّد وليس الاستمرار في السلوك الخاطئ، يُمارس فِعْلته مع عِلْمه بخطئها.
ـ إذن، هذه حالة ضعف باقية، يغلب عليها العناد أو كما اسميته أنت بالتمرّد، عِناد داخلي قد يُورّث شعور بالنقص. أو ما تُعرف بـ عقدة النقص. فالمُتمرّد يقف موقف الدفاع رغم علمه بأنّه في موقف ضعيف.
هزّ أحمد رأسه وقال:
ـ صدقتِ يا أمي، دعيني أحدثكِ ما فعلته أنا يومها، فقد كنت بجانب ذلك الصبي الناصح ، وقلت له، استمر ولا تسمع قولهم ولا تفعل ما يفعلون، وإن استطعت الحوار مع أصحابك الذين أجرموا وتُعيد ما أخذوه، من صناديق الأحذية المخصصة، فذلك هو الرُشد السليم، فإنْ خرج المصلين ولم يجدوا أحذيتهم، فسوف تلحقكم لعنة السماء، واعلم أنّ لعنة السرقة كبيرة وحدّها قطع اليد.؛ فهل أنتم مُنتهون.؟
سحب الصبي المُعارض لفِعلة السرقة نفسًا وأخرجه زفرة واحدة ـ واقترب مني، وأشار إلـيّ بأنْ أحدّثهم.. فاقتربت منهم وتحدّثت إليهم وألقيتُ عليهم موعظة لعلهم يرشدون.. إنّ فِعلة كهذه، أمرها خطير؛ فهي تصرّف سلبي يستنكره العاقل الرزين، لا تدعو إلّا إلى فعل مذموم، ولا تحقق إلّا هدفاً يستنكره ذو لُبّ منكم. إنّ ما فعله. سكت.
فقال الصبي الراشد، مُعرّفاً بإسمه سالم، وضع يده على صدره تأكيداً على الإمتنان لما قدّمته من نُصح وموعظة.. ثم أردفتُ مُقبلاً بوجهي إليهم، اخوتي الكرام.. كفّو عن فِعل السرقة ولا تظلموا أنفسكم، فالسرقة عملٌ مُشين لا قِيَم فيها وقد أجمعت الأعراف وقيَمها الأخلاقية أنها إفساد وتعدّي للأمانة التي استودعها الله في إنسانيّتنا، بل الواجب علينا أن نُحافظ على حقوق ومُمتلكات الآخرين فقيراً أو غنياً، ضعيفاً أو قوياً، فالأمانة ذمّة في رقبة كل إنسان. لأنها عهد مع الله وخيانتها نقض لعهد الله كما أنّ أداؤها فرض واجب على العاقل.
قالت أمه وهل فهِمَ الصّبي قولك؟ وأدرك نُصحك واستوعبَ كلامك؟
ـ نعم يا أمي، لقد تفهّم قولي وآمن بما آمنتُ به، بأنّ فِعْل السرقة جُرم، كما اعترف الصِبية الآخرون بخطئهم وبفِعلهم المُشين.
توقف قليلاً ثم قال، وكانت النتيجة طيبة، إذ تقرّب مني أحدهم وحاورني بلطف:
ـ اسمع أخي.. أنت قارنت الظُلم بالسرقة وقلت أنّ جُرمهما متساويان.. وهذا هو الظًلم..
ثم سكت، وشعرتُ بأنه صبيٌّ نبيهٌ وذكي.. ثم استأنف حديثه بقوله: لكن دعني أحدثك بشيءٍ مختلف، إن فلسفة الظلم ليست كفلسفة السرقة.
فالظلم يستهدف الكرامة الإنسانية، أما السرقة فهي تستهدف الجانب المادي؛ كل ما هو ماديّ لوجود الإنسان. الظلم اعتداء مباشر على الحياة وضربٌ للعدالة وتعدٍّ على الحق.. أما السرقة فغالباً ما تكون بسبب الحاجة، وأكثرها طمعٌ أو عجزٌ في المسؤولية. وأنت لم تُفرّق بين السرقة الممتهنة وبين الاضطرار، فالحاجة اضطرار.. أمّا السرقةُ فامتهانٌ محرّم.. السرقة الممتهنة ـ يا عزيزي ـ دافعةٌ للإجرام، أمّا الحاجة فهي اضطرارٌ لا يؤدي إلى الإجرام؛ ألم تقرأ قول ربّك: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ}؟ أتعرف معناها أم أشرح لك أكثر.؟
قلتُ له: "تفضل هات.." بتعجّب واستغراب.
عقّب بكل ثقة ودون خوف:
ـ إن كنت لا تعرف فتلك مُصيبة، وإن كنت تعرف فالمصيبة أشقّ عليك.
مدّ عينيه في عيني وأردف: ـ من الذي أكرهنا على هذه الفِعْلة الحمقاء؟ فقلتُ بتعجّب واندهاش من جرأته ومن كلامه المقنع:
ـ مَن.؟
قال وهو ينظر مُستغرباً من هدوئي:ـ أولئك ـ وأشار بإصبعه إلى كل من بالمسجد والمصلين ومن قام بعمارة المسجد ـ واستطرد: هُم الذين أكرهونا على أفعال مُشينة، ما كنّا لنفعلها لولا أنهم جعلوا ضرورتنا واقعاً؛ ففي المستحيل أن ترى أعيننا من بيده الكفاية ويتفاخر بما لديه من جاهٍ ومالٍ ورفاهية، فيما نحن نقف في مواجهة الحاجة وتقتلنا الضرورة. ألم تقرأ فلسفة ميكافيللي "الغاية تُبرر الوسيلة"؟ إذن الهدف هنا ليس الجُرم، ولكن الاكتفاء الضروري. كيف تبقى شبعاناً وجارك يموت جوعاً؟ ماذا يعني ذلك؟
سكت وهو يغرز عينيه في عيني، وقال: "بربّك قل لي، هل هذه أخلاقٌ حدّثنا عنها الكتابُ القيّم؟ وهل من الدّين أن يشبع غيرك وأنت تجوع وأنتما في وطن واحد مليء بالثروات الطبيعية التي لم يكن لنا منها نصيب!؟
عقّبت أمه بهدوء:
ـ أين المثالية في ذلك؟ بل ليس من الإيمان أن نبحث عن مبررٍ نقنع به أنفسنا؛ فشرْعنة الخطأ هو أخطر ما يُواجه الإنسان، حتى وإن وجدنا عذراً لما نرتكبه من أخطاء.
ـ أمي، أنا فهمتُ من قوله.. أن فلسفته التي يؤمن بها هي الجوع، والجوع لا يعرف المثالية، أمي، أولئك الصبية يعيشون الصدمة، صدمة الواقع المرير، وأنتِ تتحدثين عن المبادئ والإيمان! ألا سمعتِ مني ماذا يقول؟ كأني به يقول: ليست المشكلة في الجوع، بل في القوانين التي تطيح بالقيم.. إنه يعيش صراعاً فكرياً نظراً لصعوبة الواقع؛ لكأنه يقول: لا مثالية في زمن الجوع.
قالت أمه بلطف، كأنها بدأت تستمع بقلبها لا بمنطقها الصارم:
ـ وماذا قال أيضاً بعدها.؟
ردّ فوراً كأنه يستفزّني:
ـ يقول ميكافيللي في كتابه الأمير 1513م "The Prince": "عُرف الثعلب بالدهاء وعُرف الأسد بالقوة".. أتعرف ماذا يعني ذلك؟
كان الصبيّ السارقُ يُلمح إلى أنّ الواقع المرير يتطلبُ النجاة؛ فالفقرُ فخٌ، وهو يستعملُ فِعلته ليُبرر بها انتزاع حقوقه بقوةٍ كبطش الأسد.
قال صاحبه الذي أيّده من أول وهلة، مشيراً بإصبعه إليّ:
ـ أليس هذا واقعاً نُعايشه وترونه بأعينكم؟ والسؤال الذي نطرحه عليك: هل بعد هذا نُعاقبُ السّارق المضطر ونحن نعلم أن "الضرورات تُبيح المحظورات"؟!
وبعد نظرةٍ طويلة، ناداني باسمي: ماذا يعني ذلك يا أحمد؟ سكتَ ثم أردف:
ـ يعني أنّ فِعلنا جائزٌ للضرورة!! ونحنُ ندافع عن منطقنا، هذا "الفِعْل" الذي قلتَ عنه جريمة.
هزّت مريم "أم أحمد" رأسها بتعجّب واستغراب.. ثم أردفتْ: "وماذا قلتَ؟" وكأنّ الأم أرادت أن تختبر أحمد الذي صار في مواجهة مباشرة مع الصبية، أو تختبر قدرته على إقناعهم.
لقد وضعتْ أمُّ أحمد ولدها في موقفٍ صعبٍ جداً، وبدأتْ تُراقب نباهته بعينين راصدتين؛ فكما عُرف عن الأم أنها حضنٌ دافئٌ وحنون، إلا أنها في هذه اللحظة أرادت أن تتبيّن قوة الحجة ومنطق ولدها أمام الصبية. لقد أرادت اختبار موقف أحمد مع سارقي الأحذية؛ نِعال المصلين.
كان ردّ الصبيّ المؤيد لسارقِ نِعال المصلين بصوتٍ خافت:
ـ أحمد، نحن نعرف أصل عقوبة السارق، ولكنّنا ـ كما بدأنا في قولنا ـ لم نسرق؛ نحن استرددنا حقنا الطبيعي.. السارقُ هو غير المُحتاج والمُستغني عن السرقة.!
قالت أمه وكأنها تستعجله لإنهاء الحكاية:
ـ وأنت ـ يا أحمد ـ ماذا تقول.؟
ـ أنا أقولُ إنّ السرقة جرم، أمّا الخطأ المرتكب بغير عَمْدٍ فليس فيه جُرم كبير. والصبية جميعهم كأنهم يُعيدون تعريف فِعْلهم؛ سرقةِ نِعال المُصلين، كمن يأخذ حقّه ممّن يملك الأكثر ولا يُعطي.. إنهم يُشرعنون الفِعْل بالحق الأخلاقي.
عقّبت أمُّ أحمد بغضب، كأنها تخشى من نبرة التحوّل التي بدت على ابنها أحمد، أو تخشى أن يكون قد انجرّ وراء تبرير الصبية للسرقة.
ـ أفهمُ من هذا.. أنكَ مع حقوق الصبية إنْ هُم أخذوا الحقَّ بـ "السرقة"، وبطريقة غير مشروعة.
كانت أم أحمد تخشى أن يفهم ابنها أنها مقتنعةٌ بهذه الجريمة المرتكبة، أياً كانت القوة التي أجبرت الصبية على فِعْلتهم؛ فمضت تُفندُ تبريرات الصبية لكي لا يقع ابنها في فخ " الغاية تبرر الوسيلة" لـ ميكافيللي. فهي ترى أنّ المثاليةَ هي الكفُّ عن فِعل السرقة، مبررةً حُرمتها بتجريمها شرعاً وقانوناً.
فردّ أحمدُ مُبتسماً، وقد فهمَ أنّ أمهُ كانت تخشى عليه من تآكل القيَم والمبادئ التي تربّى عليها؛ فالثوابتُ القيمية خيرٌ من ظروفٍ قاهرة، والخطأُ جاء من الخطيئة، وأيُّ مبررٍ لا أخلاقي لا يُبيحُ شرعنته بحالٍ من الأحوال:
ـ نعم يا أمي، وأنا ضد الذين غفلوا عن حقوق غيرهم، وتمادوا في الفساد والإفساد! فهم ومن على شاكلتهم استباحوا ما لا يُستباح من القيم والشيم الأصيلة.. وأرى أن على أولي الألباب ومن بيده المسؤولية وعزائم الأمور أن تتجلى أفهامُهم بالتكافل والعدل؛ فإن لم يجدوا من يساندهم، فسوف يستبيحُ الذين لم يستطيعوا صبراً ما أخذه الفاسدون بغير وجه حق.
وهنا تظهر واقعية أحمد؛ فلم ينسَقْ إلى ظروف الصراع بين الحق والواجب، ولم يتعامَ عن الواقع المرير ولم يُفرّط فيه، بل ظل مؤمناً بالمبادئ والقيم، مُتصفاً بالعقل والاتزان، وفي وعيٍ كاملٍ بأهمية العدل في هذا الصراع الأزلي.
يتبع 3
