فن الرزفة.. شغفٌ قديم

 

 

سالم بن نجيم البادي

 

ذهبتُ البارحة لأحضر عُرسًا، يسوقني شغفٌ قديم لسماع الأهازيج الشعبية ومُشاهدة ذلك التجمع الحافل حول من يؤدّون الرزفة، في حماسٍ واضح وابتهاجٍ يعمّ الحضور. ويبلغ الحماس ذروته حين ينزل جمعٌ غفير من الناس يرزفون ويردّدون الأشعار المصاحبة للرزفة.

ويتملكني العجب، وأحتار في تفسير سرّ ذلك الاندفاع من الصغار والكبار للمشاركة في أداء فن الرزفة، لدرجة أنني أحاول الولوج إلى داخل عقل كل فردٍ من أولئك الذين اندفعوا للمُشاركة. فأتخيل أنَّ هذا هاربٌ من مشكلاتٍ تُلاحقه، وذاك عاشقٌ ولهان حرّكت كلمات الغزل المصاحبة للرزفة مشاعره، وآخر يطلب النسيان والسلوى، وطفلٌ انساق إعجابًا بالحركات المقترنة بفن الرزفة، وآخر قد ملأ فؤاده الحنين إلى الماضي، وذلك الرجل المسنّ شارك ليُثبت أنَّه ما زال حيَّ المشاعر والأحاسيس.

هذه الفنون تثير الذكريات وأيامًا مضت، وأحلامًا تلاشت، وأشياء أخرى. وهي أيضًا تراث شعبٍ أصيل وعريق، وعاداتٌ وتقاليد، وحضارةٌ راسخة الجذور، وهي رمزٌ من رموز الرجولة والفروسية والشهامة والقوة وطلب النصر.

ولقد كنتُ أحد هؤلاء الذين اندفعوا نحو ساحة أداء فن الرزفة، وأحاول أن أشارك الجميع ما يشعرون به، وكأنني العالم الخبير بمشاعرهم، ولي أهدافي الخاصة. فقلبي لا يزال أخضر، كما يقولون، تثيره رقصة مُبدع، وكلمات شاعرٍ نبطي يُخاطب حبيبته الهاجرة وأشواقه المتدفقة.

وكان أبي يأخذني لحضور المناسبات المختلفة التي يُقام فيها فن الرزفة، وكان يحملني على كتفيه وهو يؤدي الرزفة مع القوم؛ إنه شغفٌ قديم إذن.

وحين نشرتُ مقطعًا مسجّلًا عن مُشاركتي في فن الرزفة، والذي لم أستطع إتقانه كما يجب، وصلتني تعليقات تعيب عليّ ذلك، ومنهم من ذكّرني بأنَّ الرقص والغناء حرام، وأنه لا يليق بي المشاركة فيه، وساق لي ما عدّه أدلةً شرعية على حرمة ذلك.

ورأيتُ من يحمل عصاه ويذهب عند بدء أداء فن الرزفة، وبعضهم لا يحضر العرس إذا علم أنَّ فيه فرقةً لتأدية هذا الفن، حتى لو كان مدعوًا.

ولا طاقة لي بالجدال في الأمور الدينية، غير أنني كنت أعتقد- وقد أكون مخطئًا- أن هذه فنون شعبية حماسية، وأن الحضور في الغالب رجال، ولا اختلاط فيها، وأن كلماتها راقية محتشمة، بعيدة عن الابتذال، ولا تدعو إلى الفسوق والفجور والرذيلة، ولا تخالف الأعراف السائدة، ومن ثم فلا بأس من سماعها ومشاهدتها.

وقد طُلب مني حذف المقطع الذي صورته عن فرقة شعبية متخصصة في تأدية فن الرزفة، كما عابوا عليّ تسمية الرزفة بالرقص، وقالوا إنَّ الرقص للنساء فقط، وكنت أظن أن تسمية الرزفة «رقصة شعبية» أمرٌ جائز.

لكنني حضرتُ، ولستُ نادمًا ما دمت لا أُلحق الضرر بأحد، ولأنني أحترم الرأي المخالف، فإنني أرجو احترام رأيي فيما يحتمل التأويل.

الأكثر قراءة

z