الاكتفاء الذاتي في سوريا وإيران.. بين السيادة والاستهداف

 

 

 

 

جان يعقوب جبور

شهدت منطقة الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة تداخلًا معقدًا بين الجغرافيا السياسية والاقتصاد، حيث برز مفهوم "الاكتفاء الذاتي" كأحد عناصر الصمود الوطني، وفي الوقت ذاته كأحد محاور الصراع غير المباشر بين الدول. في هذا السياق، تُطرح تساؤلات حول كيفية تعاطي الولايات المتحدة وحلفائها مع محاولات دول مثل سوريا وإيران بناء قدرات ذاتية في مجالات الطاقة، الزراعة، والصناعة، وما إذا كانت هذه المحاولات قد تحولت إلى نقاط استهداف ضمن استراتيجيات الاحتواء أو الضغط.

منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، دخلت العلاقات الإيرانية-الأمريكية مرحلة من التوتر المستمر، تُرجم بسلسلة من العقوبات الاقتصادية التي تصاعدت بشكل ملحوظ منذ تسعينيات القرن الماضي، ولا سيما مع قانون داماتو عام 1996، ثم لاحقًا العقوبات المرتبطة بالبرنامج النووي. ومع انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، أعادت واشنطن فرض عقوبات مشددة استهدفت قطاعات حيوية مثل النفط والقطاع المصرفي. هذه العقوبات، وفق العديد من التحليلات الاقتصادية، لم تقتصر على إضعاف القدرات المالية لإيران، بل دفعتها أيضًا إلى تعزيز سياسات "اقتصاد المقاومة"، أي الاعتماد على الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات. في المقابل، يرى بعض الباحثين أن هذه السياسات خلقت فرصًا لإيران لتطوير صناعات محلية في مجالات مثل الصناعات الدوائية والتقنيات العسكرية، حيث أعلنت طهران في أكثر من مناسبة، بين عامي 2019 و2023، تحقيق تقدم في إنتاج الأدوية محليًا وتطوير قدرات في الصناعات الدفاعية. إلا أن هذا المسار لم يكن خاليًا من التحديات، إذ أثرت العقوبات على القدرة على الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة والاستثمارات الأجنبية، ما أدى إلى تباطؤ في بعض القطاعات.

في الحالة السورية، تبرز صورة أكثر تعقيدًا نتيجة الحرب التي اندلعت عام 2011، والتي أدت إلى تدمير واسع للبنية التحتية وتراجع الإنتاج المحلي في مختلف القطاعات. قبل ذلك، كانت سوريا قد حققت درجة من الاكتفاء الذاتي في بعض المحاصيل الزراعية، مثل القمح، حيث سجلت في منتصف العقد الأول من الألفية إنتاجًا يقارب 4 ملايين طن سنويًا. لكن مع تصاعد النزاع، تراجعت هذه الأرقام بشكل كبير، حيث فقدت الحكومة السيطرة على مناطق زراعية رئيسية في الشمال الشرقي، ما أثر على الأمن الغذائي. العقوبات الغربية، التي فُرضت على سوريا منذ عام 2011 وتوسعت لاحقًا مع “قانون قيصر” عام 2020، استهدفت قطاعات الطاقة والبنوك وإعادة الإعمار مما أثر وبشكل سلبي على معيشة الشعب السوري وانحدار الأمن. ويجادل بعض المحللين بأن هذه الإجراءات ساهمت في تقليص قدرة الدولة على استعادة إنتاجها المحلي، بينما ترى أطراف أخرى أنها تهدف إلى الضغط السياسي على الحكومة السورية لدفعها نحو تسوية سياسية. في هذا الإطار، يصبح مفهوم الاكتفاء الذاتي في سوريا أكثر ارتباطًا بالظروف الأمنية والسياسية، وليس فقط بالسياسات الاقتصادية. ولكن مما شاهدناه حتى هذه اللحظة أن كل هذه الضغوطات قد أفقرت وشتت الشعب السوري في جميع أنحاء العالم وصولاً إلى توظيف سلطة تصب في مصالح الولايات المتحدة وخدمة للكيان الصهيوني لفرض واقع جغرافي جديد على حساب الشمال والجنوب السوري.   

تتقاطع الحالتان السورية والإيرانية في كونهما تعرضتا لضغوط خارجية شملت العقوبات والعزلة الاقتصادية، ما دفعهما إلى تبني استراتيجيات تعتمد على الموارد المحلية. إلا أن توصيف هذه السياسات يختلف بين من يراها محاولة مشروعة لتعزيز السيادة الاقتصادية، ومن يعتبرها استجابة اضطرارية لقيود خارجية فرضت واقعًا اقتصاديًا صعبًا وسياسيًا معقداً يُفقد الترابط والثقة بين الدولة وجمهورها. من جهة أخرى، تشير تقارير دولية إلى أن العقوبات الاقتصادية، رغم أنها تُستخدم كأداة ضغط سياسية، قد تحمل آثارًا إنسانية غير مباشرة، خصوصًا عندما تؤثر على سلاسل التوريد للمواد الأساسية. في هذا السياق، أصدرت منظمات أممية، بما فيها تقارير خلال الأعوام 2020–2024، دعوات لتخفيف بعض القيود المرتبطة بالمواد الطبية والغذائية، خاصة في ظل جائحة كوفيد-19 أو ظل أزمات أخرى.

وعليه يبقى الجدل قائمًا حول مدى تأثير السياسات الدولية على مسارات الاكتفاء الذاتي في دول مثل سوريا وإيران، وحول ما إذا كانت هذه السياسات تسهم في تحقيق الاستقرار أو تعمّق الأزمات. وبين الروايات المختلفة، تظل الوقائع الاقتصادية والاجتماعية على الأرض العامل الحاسم في تقييم النتائج، حيث تتداخل عوامل داخلية وخارجية في تشكيل مسار هذه الدول، ما يجعل من الصعب اختزال المشهد في تفسير واحد أو اتجاه أحادي.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z