فساد التقابل بين إسرائيل وإيران في المنطقة العربية

 

 

د. عبدالله الأشعل **

عندما بدأ الصراع بين إيران وأمريكا وإسرائيل طفا سؤال: هل إيران أم إسرائيل خطر على المنطقة العربية؟

والحقيقة أن السؤال مغرضٌ، ويعكس حالة من اليأس والتبعية في المنطقة العربية؛ فالذين يتبعون إسرائيل والولايات المتحدة يزعمون أن إيران خطر على المنطقة العربية، ويستدلون على ذلك بأن مسؤولًا إيرانيًا كان قد صرح منذ عدة سنوات أن إيران تتحكم في دول عربية كثيرة منها العراق وسوريا ولبنان وفلسطين. وهذا الفريق متأثر بدعاية "الموساد" الإسرائيلي التي تُركِّز على أن إيران سبب المشاكل في المنطقة؛ لأن إيران دعَّمت المقاومة ضد إسرائيل؛ وبذلك خلقت مشاكل بين الحوثيين والطوائف الأخرى في اليمن، وهيمنت على العراق ومكَّنت الشيعة من الحكم على أساس فكرة خاطئة وهي ان السُنَّة اقل عددًا من الشيعة وحكموا طويلًا، ثم إن السنة "كلهم بعثيون" وصدام حسين كان بعثيًا، وهذه فرضيات خاطئة، بينما كان حزب البعث يمثل أجنحة التيار القومي العربي، والموساد يكره العروبة كلها. كما أن إيران ناصرت الشيعة في لبنان عن طريق تأسيس "حزب الله"، وبذلك اصطدم الحزب مع الطوائف الأخرى ومع الدولة اللبنانية. ولبنان يهمه الهدوء والاستقرار والازدهار ولا يهمه مقاومة إسرائيل؛ فإسرائيل التي هزمت 3 دول عربية في 1967 (مصر والأردن وسوريا)، لا يستطيع لبنان الصغير أن يتصدى لها، والذي منع إبرام اتفاقية سلام بين لبنان وإسرائيل في الماضي كانت "سوريا الأسد"، لأسباب خاصة بها، كما أن سوريا استعانت بإيران وحزب الله وروسيا في مقاومة الجماعات الإسلامية التي كانت ضمن الثورة السورية التي اندلعت في 2011.

أما في فلسطين فقد نشأت حركة حماس ثم بعد سنوات طويلة اكتسحت الانتخابات البرلمانية عام 2006، وأصبح الشقاق قائمًا بين حماس والسلطة الفلسطينية، بحيث كان العداء بينهما أكبر من العداء لإسرائيل، وفشلت جميع محاولات التقارب بين السلطة وبين حماس.

وكان موقف بعض الحكومات العربية منذ سنوات مناهض للمقاومة، فقد كانوا ضد الحوثيين وضد حماس وضد حزب الله في العراق وضد حزب الله في لبنان. وكان السبب الأساسي هو وصم المقاومة بـ"الإرهاب".

وهناك أسباب معينة لفساد الاختيار بين إيران وإسرائيل:

أولًا: أن إسرائيل ثمرة المؤامرة الدولية على المنطقة العربية وهي تمثل المشروع الصهيوني الذي تطور من فلسطين والاستيلاء عليها بالكامل وانكار أي حقوق سياسية للشعب الفلسطيني إلى التفكير في إسرائيل الكبرى على حساب الدول العربية المجاورة خاصة مصر وسوريا ولبنان والعراق والسعودية. وأكد نتنياهو أنه لا يمانع في إقامة الدولة الفلسطينية، ولكن تقام في الأراضي السعودية وليس في فلسطين.

ثانيًا: أن إيران لا يمكن مقارنتها بإسرائيل الغريبة عن المنطقة؛ فإيران معين لا ينضب من الحضارة وقوة أساسية في المنطقة خاصة في منطقة الخليج. والملاحظ أن إيران ليست قوة آسيوية وإنما قوة خليجية تتواجه مع العالم العربي.

ثالثًا: أن إيران هي فارس القديمة؛ فعندما دافع العرب عن الإسلام وتحت رايته هزموا فارس القوة العظمى في ذلك الوقت، ولكن كانت وثنية في موقعة القادسية، ولكن فارس هذه المرة تدافع عن الإسلام، والإسلام واحد في القرآن الكريم لا ينقسم إلى شيعة وسُنَّة، إلّا في نشأته التاريخية ومؤامرة الوقيعة بين المسلمين في الوقت الراهن.

شاه إيران كان شيعيًا ومع ذلك كان خادمًا لأمريكا وإسرائيل؛ فلما قامت الثورة الإسلامية في إيران في فبراير عام 1979، تحالف العرب- بإيعاز من أمريكا وإسرائيل- ضد إيران. ولكن كثيرًا من الشعوب العربية والإسلامية مع إيران ضد الغطرسة الأمريكية والعدوان الصهيوني.

إيران حلّت محل العرب الذين تخلُّوا عن المقاومة وتحالف بعضهم مع إسرائيل، ولذلك أصرت إيران على التصدي لإسرائيل وإزالتها من الوجود لاعتبارات أخلاقية وإسلامية؛ فإيران تقول إنها تريد تحرير المسجد الأقصى المبارك وإنقاذ القدس، بينما المسلمون الآخرون العرب تنكروا لهذه المهمة وفضلوا ولاءهم لأمريكا وإسرائيل على ولائهم الديني.

رابعًا: أن هجوم إيران على القواعد الأمريكية في الخليج واشتراط إيران زوال الوجود العسكري الأمريكي من المنطقة كان سببه أنَّ إيران تعتقد أن هذه القواعد العسكرية انطلق منها العدوان الإسرائيلي والأمريكي على إيران.

وليس صحيحًا أن إيران اعتدت على دول الخليج، وكان جديرًا بالموقف المصري من هذه القضية أن يتوازن، فيُدين عدوان إسرائيل وأمريكا على إيران، مثلما يدين الهجمات الإيرانية خارج القواعد الأمريكية على دول الخليج.

خامسًا: أن إسرائيل هي التي أضرت بالعالم العربي؛ فاعتدت على معظم دولِهِ، وأبادت غزة كما تُجاهر بإنشاء إسرائيل الكبرى.

وإذا كانت إيران قد تحالفت لأسباب سياسية مع نظام الأسد في سوريا؛ وذلك لأن الأسد كان يدافع عن سوريا. أما النظام الحالي كان لإسرائيل وأمريكا يد فيه؛ فمال إلى إسرائيل وضحي بسيادة الأراضي السورية لصالح إسرائيل، كما يرى كثير من المراقبين.

أما لبنان فتحكمه الطوائف الثلاثة وولاء المواطن اللبناني للطائفة، والطوائف هي السبب الأساسي تاريخيًا في غياب الدولة اللبنانية. وعندما التقى اللبنانيون بعد الحرب الأهلية الطويلة في الطائف في السعودية عام 1989، أعربوا عن آمالهم في إقامة الدولة اللبنانية لتحل محل الطوائف اللبنانية ولكن لم يقابل ذلك الأمل برنامج عملي وجديّ لتحقيق ذلك.

والنتيجة أنَّ إسرائيل وأمريكا أقنعتا الحكومة اللبنانية بأن حزب الله وسلاحه يعتبر خارج عن سياسة الدولة اللبنانية الغائبة، وهذا صحيح؛ لأنَّ الطرفين مختلفان في منهجهما. ومخطط إسرائيل في لبنان هو إثارة الحرب الأهلية من جديد في لبنان وتحويل حزب الله من حزب مسلح مقاوم إلى حزب سياسي أليف، وخلال شهر على الأكثر سوف تبرم الحكومة اللبنانية اتفاقية سلام مع إسرائيل على أساس موقف إسرائيل من أن لبنان المقاوم جر الويلات على الدولة اللبنانية، وأن المواطن اللبناني بحاجة للسلام والهدوء والاستقرار والازدهار وليس بحاجة إلى مقاومة إسرائيل.

واتهمت أمريكا وإسرائيل حزب الله بأنه تابع لإيران وجناح من أجنحتها وقضيته قضية إيران وليس قضية لبنان علمًا بأنَّ حزب الله في ظل ضعف الجيش اللبناني يدافع عن لبنان كلها كما أن الحزب مدعوم من إيران وليس خاضعا لها وأمريكا هدفها الأساسي تأمين وجود إسرائيل ضد المقاومة في جميع الساحات.

لذا.. لا مقارنة بين إيران وإسرائيل وواضح أن التقابل بين إيران وإسرائيل بنى على أسس فاسدة. وانتصار إيران على إسرائيل وأمريكا مع تحمل إيران خسائر المواجهة سوف يبشر بعصر جديد في المنطقة وسوف تُحرِّر إيران الأقصى والقدس وفلسطين وتزيل إسرائيل، ونفوذ إيران في المرحلة القادمة مشروع؛ لذلك فإنَّ إيران التي تنصر الإسلام سوف تجني مكافأة صمودها بعد زوال النفوذ الأمريكي وزوال إسرائيل عن المنطقة.

** أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري سابقًا

الأكثر قراءة

z