صلالة.. ذاكرة النارجيل

 

 

 

خالد بن سالم الغساني

 

تُومِضُ الذاكرة في لحظات تأمّلٍ خافتة، وهي تستدعي من أعمقها مشهدًا يهبط ببطء أمامي، فيظل عالقًا كأنه منقوش على جدار الروح. مشهدٌ يعيدني إلى البدايات، حيث الطفولة النقية، وحيث البراءة كانت تعني أن الأشياء تُدرك كما هي، ببساطتها الأولى دون حاجة إلى تفكيك أو تأويل.

هناك، على شواطئ بحر العرب الوادعة، وفي سهول صلالة الخضراء، ارتسمت أمام عيني شجرة النارجيل، باسقةً، تميل برشاقة نحو البحر، وهي تعانق الأفق وتحرس أسرار الموج القادم من العالي ومن عمق الأزمنة. هذه الشجرة، التي شكّلت في خيالي، إلى جانب كونها نباتًا سامقًا بهامةٍ مرفوعةٍ وجذعٍِ نحيلٍ وسعفٍ متمايل، نافذةً إلى عالمٍ من الغموض والشموخ الأخاذ، ورمزًا لمدينة لا يمكن تخيّل ملامحها دون حضورها الزاهي والبهيّ.

هناك، وفي الصباح الباكر؛ حيث ينساب الضوء على أطرافها، ويخفت عند جذورها، كان الغموض مأوى للجمال، وكان السحرُ يزهر في ثنايا الصمت، وكانت الروح تتنفس دهشة لا تنطفئ.

لا زلت أتذكر تلك اللوحة جيدًا، التي كنت أعبرها كل صباح في طريقي إلى السعيدية، ببراءتي الأولى وبساطتي التي لم تكن الأيام قد مستها بعد. لكنها اختفت من عالمي اليوم، ولم يبقَ منها إلا ما تلمحه الأحلام على فترات متباعدة.

صلالة، بفضائها الماطر في مواسم الخريف، وبعطر أرضها حين يغمرها الغيث، لا تلبث أن تبوح بسحرها وجمالها المتفرّد. غير أن النارجيل يظلّ الشاهد الأكثر ديمومةً في هذا المشهد، كأنّه يصرّ على أن يكون نقطة التقاء بين السماء والأرض، بين البحر واليابسة، وبين الطفولة والحاضر.

لطالما شعرت، وأنا طفل، أن تلك الشجرة تتحدّث إليّ بصمتها؛ تخبرني أن في جذورها الممتدّة والراسخة في أعماق الأرض سرّ البقاء، وأن في سعفها الملوّح للريح أنشودةً أبديةً عن الصمود والانسياب معًا.

صلالة التي قال عنها نزار قباني "حورية تسبح في مياه بحر العرب وقصيدة وقمر"، هي بقعة أرض، كشأن البقاع والمدن الأخرى، لكنك وانت فيها يمكنك أن "ترى القمر بكامل استدارته"، كما أردف نزار.

إنها تتميز عن البقاع والمدن الأخرى بأنها حالة شعورية ووجدانية كاملة، مدينة تنسج من خضرتها وبساط بحرها وسكون جبالها وضياء سمائها، ملحمةً من الحنين، حتى يقتنع الناظر والمتأمل، بأن الطبيعة قد اختارتها لتكون جنّةً صغيرةً على الأرض. وما النارجيل إلا أعمدةُ الحلم الخضراء، تُعانق السماء وتظلّل الأرواح بكبريائها الهادئ، ذلك الكبرياء الذي لا يعلو سوى بالشموخ وبالحضور الذي يأسر العيون ويستقر في القلب.

على امتداد ساحل صلالة الفضي، المتكئ على شاطئ بحر العرب، تقف الأشجار متجاورة، كأنها صفوف من الحراس، وفنارات تهدي القادمين من بعيد، وأبراج مراقبة تترقب السفّارة، العائدين من العالي، بعد سنين من الغربة وانقطاعٍ عن الاتصال. تظلل السائرين، وتفتح للقادم باب الدهشة.

إنها، لأبناء المدينة، ذاكرة جمعية، تحكي قصص الأجداد الذين رووها بعرق جباههم، وتفيأوا ظلّها، ونعموا بثمارها ومائها العذب.

كنت كلما اقتربت من ثمارها المعلقة، شعرت أنّ في داخلها قطرة من أسرار البقاء وندى الأرواح.، وأنها تحمل في جوفها رسالة من الأفق البعيد.

النارجيل، رغم علوّه وامتداده نحو السماء، يمنح من يقترب منه ماءً صافيًا كدمعة، باردًا كنسيم الفجر، كأنّه يجمع بين عناد الشموخ وتواضع العطاء. ولعلّ هذا التناقض البديع هو ما جعلني أنظر إليه منذ طفولتي لا بوصفه شجرة فقط، بل بوصفه رمزًا ومعلمًا يعلّمنا أنّ القوة الحقيقية لا تكتمل إلا باللطف، وأن الامتداد نحو الأعلى لا قيمة له من دون جذورٍ متينةٍ في الأرض.

صلالة بجبالها التي تتشح بالضباب في الخريف، وبوديانها التي تتفجر فيها العيون وتنساب فيها المياه، وبعطر اللبان الذي يتصاعد من بيوتها وأسواقها القديمة، تُعطي للنارجيل معنى أعمق، فبينهما وكل عناصر المكان انسجام سحري، الجبال تهمس للأمطار بينما هي تروي السهول، وتسيل لتعانق البحر الذي يترك على ضفافه النارجيل يراقص نسيم الجنوب ورياح الشمال. وكأنّ المدينة كلها لوحة متكاملة، تتوزع فيها الألوان بحكمة إلهيّة، لكن الخطوط العريضة لتلك اللوحة تبقى مرسومة بجذوع النارجيل المتمايلة في صمت شامخ.

حين أتذكر طفولتي، أرى نفسي أركض تحت تلك الأشجار، وقد أوصاني مدير السعيدية أن أوصل غرضًا إلى المنزل. كنت أركض خفيفًا، لا أفكّر في اليوم ولا في الغد؛ كل ما كان يشغلني هو كيف تنحني هذه الأشجار دون أن تنكسر، وكيف يظلّ صوت أوراقها مسموعًا حتى وسط ضجيج الموج.

واليوم، بعدما عبرت بي السنين، أجد أن السؤال ما زال قائمًا، لكنه تحوّل من دهشة طفلٍ منبهر إلى تأمّل إنسانٍ يبحث عن الحكمة.

تعلّمت من النارجيل أنّ المرونة ليست ضعفًا، وأن الثبات لا يعني الجمود، وأن الانحناء في وجه العاصفة قد يكون الطريق الوحيد للبقاء.

صلالة التي تسكن في الوجدان، ذاكرة الروح، ودفتر الطفولة الذي لا يُطوى، جمالها لا ينفصل عن النارجيل، بل إن صورة النارجيل نفسها باتت رمزًا للمدينة، بحيث لا يمكن للخيال أن يرسم صلالة دون أن يضع تلك الأشجار كإطارٍ طبيعيّ لمشهدها البهيّ.

منذ الطفولة المبكرة وفي السفرات الطويلة والقصيرة، حين ابتعد عن المدينة، يظلّ طيف النارجيل يرافقني، كأنّه شارة الانتماء، أو بطاقة هوية لا تفارقني.

وقد أدركت أن سرّ سحر النارجيل لا يقتصر على شكله، ولا على ظلاله، ولا حتى على ثمره، بل يكمن في قدرته على أن يصبح جزءًا من الوجدان. إنه شجرة ذاكرة بامتياز، تحمل بين أغصانها طفولة الأجيال، وتختزن في جذورها صمت المكان، وتوزّع على الناس معاني الصمود والجمال والكرم. ولعلّ هذا هو السبب الذي جعلها تترسخ في وجداني رمزًا لا ينفصل عن صلالة، ولا ينفصل عن صورتي الأولى للعالم.

إنّ الحديث عن صلالة وشجرة النارجيل، يعني استدعاءٌ لحالة من الصفاء الداخلي، أشبه ما تكون بموسيقى تعزفها الطبيعة في قلب إنسان. كل من زار المدينة في موسم خريفها، وشاهد أشجار النارجيل وهي ترقص مع المطر، لا بدّ أن يعود محمّلًا بذكرى عذبة لا تفارقه. أمّا من عاش طفولته هناك، فالنارجيل بالنسبة له شجرة راسخة في ذاكرته، وقطعة من روحه، وعنوانٌ لمدينةٍ تُعانق البحر وتحاوره منذ أزمنة بعيدة.

شجرة النارجيل في صلالة، رمز للحياة المستمرة، ومفتاح لذاكرة الطفولة، وصورة المكان التي لا تبلى مهما تغيّرت الأزمنة. كلما تذكّرت الطفولة وامتداد البحر وعلو السماء ورحابتها، وجدت النارجيل هناك، يلوّح لي بسعفه الأخضر، ويذكّرني أن بعض المشاهد لا تزول، لأنّها ارتبطت منذ البداية بأعمق ما في الإنسان: ببراءة النظرة الأولى، وصفاء الروح حين كانت ما تزال تكتشف جمال العالم لأول مرة، وتتلمس خطواتها الأولى.

**************

** المقال جزء من فصل من مشروع: "وجع الذاكرة" بتصرفٍ.

الأكثر قراءة

z