مرتضى بن حسن بن علي
في خضم السجال الذي أثاره مقال مارك ج. سيفرز، السفير الأمريكي السابق، حول ما وصفه بـ"فشل الدبلوماسية العُمانية"، تبدو الحاجة ملحّة إلى قراءة هادئة تتجاوز ردود الفعل، وتُعيد النقاش إلى إطاره المهني: ما هي الوساطة؟ وما الذي يُقاس به نجاحها أو إخفاقها؟
أول ما ينبغي توضيحه أن الوساطة، في عُرف العلاقات الدولية، ليست أداة سحرية تمنع الحروب، بل هي مسار مُعقَّد يهدف إلى تقليل احتمالاتها، أو احتوائها عندما تندلع. وقد شهد التاريخ الحديث، من مفاوضات اتفاقيات كامب ديفيد إلى محادثات الاتفاق النووي الإيراني، أن الوصول إلى تسويات كبرى يستغرق سنوات من العمل الصامت، وغالبًا ما يمر بمراحل من التعثر والانهيار قبل أن يرى النور. وعليه، فإن ربط نجاح الوساطة بنتيجة فورية- كمنع حرب بعينها- هو تبسيط مُخلّ لا ينسجم مع طبيعة الدبلوماسية ذاتها.
من هذا المنطلق، يبدو أن تقييم الدور العُماني من زاوية "لماذا لم تمنع الحرب؟" هو سؤال خاطئ في أساسه؛ فالدول لا تتخلى عن خياراتها الاستراتيجية بسبب نصيحة وسيط، مهما كان موثوقًا. والوسيط لا يملك أدوات الإكراه؛ بل أدوات الإقناع. وإذا اختارت قوى كبرى، مثل الولايات المتحدة، أو قوى إقليمية كإيران، المضي في مساراتهما الخاصة، فإن تحميل الوسيط مسؤولية ذلك يُشبه تحميل الطبيب مسؤولية قرار المريض برفض العلاج.
النقطة الثانية تتعلق بفهم طبيعة السياسة الخارجية العُمانية. فمنذ عقود، تبنّت سلطنة عُمان نهجًا يقوم على "الحياد الإيجابي"، لا بمعنى الوقوف على مسافة واحدة من الجميع بشكل سلبي، بل عبر الانخراط مع مختلف الأطراف بهدف إبقاء قنوات الحوار مفتوحة. هذا النهج لم يكن يومًا انحيازًا، بل كان خيارًا استراتيجيًا لحماية الاستقرار في منطقة شديدة الحساسية، خصوصًا في محيط حيوي كـمضيق هرمز.
إنَّ التواصل مع جميع الأطراف، بما في ذلك إيران أو الفاعلين في اليمن، لا يُعد خروجًا عن الحياد، بل هو شرط أساسي لأي وساطة فعّالة؛ فالوسيط الذي يقطع صلاته بأحد الأطراف يفقد قدرته على التأثير. وربما هنا يكمن أحد أوجه الخلاف بين الرؤية العُمانية وبعض القراءات الأمريكية، التي تميل- في لحظات التوتر- إلى اختزال العلاقات الدولية في ثنائية "معي أو ضدي"، بينما تقوم الوساطة بطبيعتها على كسر هذه الثنائية.
ثالثًا: من المهم التمييز بين "نتائج الوساطة" و"أثر الوساطة"؛ فحتى في الحالات التي لا تُفضي فيها الجهود إلى اتفاق نهائي، فإنها غالبًا ما تحقق مكاسب غير مباشرة: منع التصعيد الكامل، تأجيل المواجهات، أو الحفاظ على خطوط اتصال قد تكون حاسمة في لحظات الأزمات. وهذه الأدوار لا تُقاس بالعناوين الكبرى، بل بتراكمات هادئة تُدركها دوائر صنع القرار أكثر مما يراها الرأي العام.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل أن مسقط ظلت، حتى في أشد لحظات التوتر، نقطة التقاء لكبار المسؤولين والدبلوماسيين من مختلف الأطراف. وهذا الحضور المستمر ليس مجاملة دبلوماسية، بل انعكاس لثقة متراكمة في قدرة عُمان على توفير مساحة آمنة للحوار، بعيدًا عن الضغوط الإعلامية والسياسية؛ فالدبلوماسية الفعّالة لا تُمارس على الشاشات، بل في الغرف التي تُبنى فيها الثقة بصبرٍ وهدوء.
أما ما يتعلق بانتقاد بعض التصريحات العلنية لمسؤولين عُمانيين، فربما يحتاج إلى قراءة مختلفة؛ فالتعبير عن القلق من التصعيد، أو الإشارة إلى فرص ضائعة للاتفاق، لا يُعد خروجًا عن "الصمت الدبلوماسي"؛ بل هو- في كثير من الأحيان- محاولة لدق ناقوس الخطر قبل فوات الأوان. وفي عالم تتسارع فيه الأحداث، قد يكون للصوت العاقل أثرٌ في تذكير الأطراف بكلفة الخيارات التي تتخذها.
من جهة أخرى، لا يمكن فصل هذا النقاش عن التحولات الأوسع في النظام الدولي؛ فالعالم اليوم يشهد تراجعًا في فعالية الأدوات التقليدية للنفوذ، وصعودًا لأدوار إقليمية أكثر استقلالية. وفي هذا السياق، تبدو السياسة العُمانية أقرب إلى نموذج "الدولة الجسر" التي تسعى إلى تقليل الفجوات بين المتخاصمين، بدلًا من الانخراط في محاور تزيد الاستقطاب.
إنَّ الاختلاف في تقييم الدور العُماني لا ينبغي أن يتحول إلى تشكيك في نواياه أو قدراته، بل إلى فرصة لفهم أعمق لطبيعة الوساطة في عالم مضطرب؛ فالدبلوماسية ليست مباراة تُحسم بنتيجة صفرية، بل عملية طويلة تُقاس بقدرتها على إبقاء الأبواب مفتوحة حين تُغلق في أماكن أخرى.
في النهاية.. قد لا تمنع الوساطة كل الحروب، لكنها تظل أحد أهم الأدوات لتقليلها، أو الحد من آثارها. وعُمان، بتاريخها ونهجها، اختارت أن تكون جزءًا من هذا الجهد، لا من معسكرات التصعيد. وبين من يقيس النجاح بالنتائج الفورية، ومن يراه في تراكمات الاستقرار، يبقى الحكم الحقيقي مرهونًا بما ستكشفه السنوات، لا بما تمليه لحظة الانفعال.
