عباس الزدجالي
حين يُستخدم مصطلح "الذهب الأزرق"، فهو لا يأتي من باب المُبالغة البلاغية، بل من تجربة إنسانية طويلة مع البحر. ففي إيطاليا، يُطلق هذا الوصف على السردين بوصفه أحد أعمدة الغذاء الساحلي، حتى سُمّي تاريخيًا "خبز البحر" و"سمك الفقراء" لما وفره من بروتين رخيص ومستدام لملايين الناس. ولم يكن ذلك مجرد توصيف شعبي، بل انعكاس لقيمة اقتصادية حقيقية؛ إذ شكّلت السردين والأنشوجة نسبة كبيرة من المصيد في فترات تاريخية، ما جعلها جزءًا من الأمن الغذائي الوطني.
هذا المعنى العميق هو ما يجعل استخدام المصطلح في عُمان أكثر حساسية ودلالة. فالسردين العُماني أو «العُومة» ليس مجرد نوع سمكي عابر، بل يمثل فعليًا "ذهبًا أزرق" بالمعنى الكامل: مورد غذائي مُباشر، مصدر دخل لآلاف الصيادين، وحلقة أساسية في التوازن البيئي البحري. فهو غذاء للإنسان من جهة، وغذاء لأسماك أكبر من جهة أخرى، ما يجعله محورًا في السلسلة الغذائية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: ماذا يحدث حين يتحول هذا الذهب إلى مسحوق؟
تقرير Global Reporting Program قدّم إجابة صريحة ومقلقة. فبحسب التحقيق، ما يقارب ربع الأسماك المصادة عالميًا لا يصل إلى موائد البشر، بل يُحوَّل إلى مسحوق وزيت لتغذية صناعات الأعلاف، خاصة في قطاع الاستزراع المائي. أي أننا أمام نظام غذائي معكوس: سمك يُطحن ليُطعم سمكًا آخر، بينما تتراجع حصة الإنسان من المورد البحري. هذا التحول، الذي ظهر بوضوح في غرب أفريقيا وبيرو، لم يعد بعيدًا عن السلطنة، بل بدأت ملامحه تتشكل مع توسع مصانع الهرس وارتفاع الطلب الصناعي على السردين.
في غرب أفريقيا، كما وثّق التقرير، تحوّل السردين من غذاء شعبي إلى مادة صناعية تتنافس عليها المصانع، فارتفعت أسعاره وتراجع توفره، وتضررت المجتمعات الساحلية التي كانت تعتمد عليه. وفي بيرو، أدى التوسع غير المنضبط إلى ضغوط هائلة على المخزون السمكي، رافقها تلوث صناعي وتدهور بيئي. القاسم المشترك في كل هذه التجارب هو أن المشكلة لم تبدأ يوم انهار المخزون، بل يوم تغيّرت وظيفة السمك من غذاء إلى مادة خام.
في عُمان، يتقاطع هذا التحول مع واقع صناعي يتسارع بوتيرة ملحوظة. دخول شركات عالمية مثل Mukka Proteins Limited التي استحوذت على نحو 68% من شركة الخليجية المتحدة للمنتجات السمكية United Gulf Fishery Products LLC لا يعني مجرد استثمار عابر، بل إدخال السردين العُماني في شبكة طلب عالمية لصناعة الأعلاف.
هذه الشركات لا تبحث عن سوق محلي محدود، بل عن تدفقات مستقرة وكبيرة من المادة الخام. ومع افتتاح مصانع جديدة في محوت، يتعزز هذا الاتجاه، ليصبح السردين جزءًا من سلسلة إمداد دولية، لا مجرد مورد محلي.
أما على مستوى الحجم، فالصورة تزداد وضوحًا عند النظر إلى المؤشرات القطاعية. فهناك أكثر من مئة منشأة سمكية في السلطنة، ضمنها عدد متزايد من مصانع مسحوق وزيت السمك، مع توسع ملحوظ في الطاقة الإنتاجية خلال السنوات الأخيرة. وفي المقابل، تشير البيانات إلى وصول صادرات مسحوق السمك إلى عشرات الآلاف من الأطنان سنويًا.
وبالنظر إلى أن إنتاج طن واحد من مسحوق السمك يتطلب في المتوسط نحو ٤ إلى ٥ أطنان من الأسماك الصغيرة، فإن ذلك يعني أن هذه الصناعة تستهلك كميات ضخمة من السردين والأسماك السطحية، ما يضع ضغطًا متزايدًا على المخزون.
لكن التحدي الأكبر لا يكمن في هذه الأرقام وحدها، بل في غياب الشفافية الدقيقة حول نسبة ما يُحوَّل من السردين إلى مصانع الهرس مقارنة بما يذهب للاستهلاك البشري. فالتقييمات الحالية تشير إلى نقص في البيانات المتعلقة بالتركيب النوعي للأسماك المستخدمة، واعتماد تصنيفات عامة لا تعكس الواقع بدقة. وهذا يعني أن جزءًا من “الذهب الأزرق” قد يُستهلك صناعيًا دون معرفة كافية بتأثير ذلك على استدامته.
هنا تتجلى المفارقة بوضوح. ففي إيطاليا واليونان، ظل السردين لقرون غذاءً مباشرًا للإنسان، ومصدرًا للأمن الغذائي، بينما في بعض التجارب الحديثة التي يسلط عليها التقرير الضوء تحول إلى مادة صناعية. عُمان اليوم تقف بين هذين النموذجين: نموذج يجعل من السردين غذاءً، وآخر يجعله علفًا. والفارق بين الاثنين ليس اقتصاديًا فقط، بل حضاري أيضًا.
ومع ذلك، لا تزال الفرصة قائمة لتعديل المسار قبل الوصول إلى نقطة اللاعودة. فالمشكلة ليست في وجود مصانع الهرس بحد ذاتها، بل في غياب التوازن والضوابط. يمكن لهذه الصناعة أن تكون جزءًا من المنظومة إذا التزمت باستخدام المخلفات السمكية، وإذا خضعت لحصص إنتاج مبنية على مسوحات علمية دقيقة، وإذا تم تطوير نظام تتبع شفاف يربط بين القارب والمصنع، مع نشر دوري للبيانات المخزونية. أما في غياب هذه الأدوات، فإن التوسع الصناعي قد يتحول من فرصة اقتصادية إلى خطر بيئي وغذائي.
إن التجارب العالمية تعلمنا أن البحر لا ينهار فجأة، بل يتآكل بصمت. والسردين، رغم صغره، يمثل حلقة أساسية في هذا التوازن. وإذا فقدناه، فإن الخسارة لن تقتصر عليه، بل ستمتد إلى السلسلة الغذائية بأكملها، من الكائنات البحرية إلى الإنسان.
في النهاية، يبقى “الذهب الأزرق” اختبارًا حقيقيًا للسياسات لا للشعارات. فإما أن يبقى السردين موردًا يغذي الإنسان ويحفظ التوازن البيئي، أو يتحول ببطء وصمت إلى مسحوق يُغذي صناعات بعيدة، بينما يفقد البحر في السلطنة جزءًا من قيمته الحقيقية.
