أحداث من الحرب الأمريكية على إيران

 

 

 

محمد بن سالم التوبي

 

في ظل عدم الثقة من قبل الإيرانيين في واشنطن تسعى باكستان لإنجاح المفاوضات الأمريكية-الإيرانية وفي ظل ظروف ما زلنا نستطيع القول إن الحرب لم تضع أوزارها، وما زال الإيرانيون يقبضون بزناد الصواريخ الباليستية؛ خشية الغدر من الطرف الأمريكي الذي باغت طهران في جولة المفاوضات السابقة بعد حرب الاثني عشر يومًا، وقبل انتهاء المفاوضات الأخيرة في ڤيينا، وفي ظل الحشد الأمريكي المتواصل للآليات والطائرات وحاملاتها التي تسعى في الأرض خرابًا وقتلًا وتدميرًا وسفكًا للدماء.

لقد أثبت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للعالم أجمع أنّه الرئيس الذي قوَّض القانون الدولي من خلال اعتدائه على إيران من غير وجه حقّ وخارج إطار القانون الدولي ومنظمة الأمم المتحدة، هذا الرئيس الأرعن يُعطي كل يوم أمثلة متقدمة في الكذب على شعبه وعلى العالم من أجل مصالحه ومصالح الدائرة المقربة منه، إنه الرئيس الذي اعتمد الإفك من أجل رفع أسعار أسهم البورصة الأمريكية وخفضها من خلال كذبه اليومي المستمر، فلا يكاد يمر يوم لا يخرج إلى الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي ليتشدق بكذبه ويظهر قوّته وجبروته وعنصريته للعالم.

انقسام مجلس الشيوخ

أظهرت الحرب على إيران مدى الانقسام الذي حصل في المجتمع الأمريكي ومدى التباين الشاسع في وجهات النظر بين الحزبين الجمهوري والديموقراطي على غير العادة. لقد خرج الكثير من الجمهوريين (حزب ترامب) هذه المرّة ضد ترامب حتى داخل مجلس الشيوخ يطالبونه بالتراجع عن الحرب غير القانونية؛ حيث لم يحصل على موافقة الكونجرس لشنّ الحرب، ولكنّه استخدم التخويل الذي يتيح له شن هجمات ليقدم بعدها توضيحًا حول ذلك وهذا ما تم بالفعل.

لكن ما كان له تأثير مباشر على المواطن الأمريكي الذي عانى معاناة شديدة في كثير من الولايات الأمريكية؛ الأمر الذي جعل من الشارع الأمريكي يخرج في مظاهرات مليونية اعتراضًا على الحرب ضد إيران، والمطالبة بتقويض سُلطة ترامب في ظل ظروف اقتصادية صعبة تحيط بالمواطن الأمريكي سواءً من حيث غلاء المعيشة، أو ما أثقل كاهله من ضرائب تدفع في نهايتها لدعم إسرائيل، وفي حروب عبثيّة لا يجني المواطن الأمريكي من ورائها أي فائدة؛ بل على العكس تجرّ خلفها خيبات على الولايات المتحدة الأمريكية.

انقسام حركة "ماجا"

الحركة القومية الداعمة لترامب في انتخاباته الأولى بعام 2116 وفي الانتخابات الأخيرة والتي جعلت من شعار "لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا (ماجا)"، وفي عقيدتها الأولى هو جعل أمريكا عظيمة في اقتصادها وفي داخلها وتماسكها وضد الهجرة. وقد لاقت هذه الأيدلوجية هواها عند ترامب للدخول في الانتخابات، وهي تمثل قاعدة صلبة في الحزب الجمهوري؛ ولكن ترامب- التاجر الذي لا يعرف إلّا الدولار- ضرب بكل اقتدار بفكرة العظمة الأمريكية وغاص بها في وحل الحرب على إيران وخرج منها وقد لطّخت صورتها بهزيمة متعددة الوجوه، على إثر ذلك هنالك انقسام عميق للداعمين لترامب داخل الحركة، وقد خرج الكثير منهم في مظاهرات ضد ترامب وتوجهاته بالحرب. 

انقسام الشارع الأمريكي لدعم إسرائيل

أظهرت استطلاعات الرأي أن 80% من الديموقراطيين لا يؤيدون الوقوف مع إسرائيل أو دعمهم أو حتى بيع السلاح لهم، وكذلك 41% من الجمهوريين، وهذا تحول كبير جدًا في توجّهات الأمريكان الذين لطالما اعتبروا إسرائيل في فترة من الفترات جزءًا منهم؛ بسبب التأثير الإعلامي الذي يسيطر عليه اليهود أو الداعمون لهم داخل الولايات المتحدة الأمريكية. وأن دعمهم يُعد أحد الأساسيات المهمّة للحكومات الأمريكية ولمجلسي الشيوخ والنواب الأمريكي؛ بل إن الشباب الأمريكي يجد أن ما تفعله حكومة ترامب ضربًا من الجنون والهرطقة التي يجب أن يحاسب عليها ترامب وحكومته.

الرأي العام الأمريكي يتساءل: ما الذي يدعو ترامب إلى شن هذه الحرب الغوغائية على إيران وهو يعلم علم اليقين أنها ستكون وبالًا على حلفاء واشنطن في المنطقة؟ وهذا ما تم بالفعل حيث استهدفت إيران مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في كل المنطقة، وعلى إثر ذلك كانت التداعيات-التي يبدو أنها على المصالح الأمريكية- ولكن دولنا قائمة على الاستقرار والرفاه الاقتصادي، وبالتالي أثّر ذلك جليًا على حالة الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي في المنطقة بشكل عام.

رفض دول الخليج للحرب

دولنا الخليجية عانت من أثر هذه الحرب العبثية التي أوقفت شريان الحياة في اقتصاديات الخليج؛ ألا وهو تصدير النفط من خلال مضيق هرمز الذي يُعد المسار البحري الأهم لدولنا الخليجية، والتأثير على المضيق أمنيًا يعني تأثيرًا مُباشرًا على أسعار النفط على المستوى العالمي. لقد تكدست سفن نقل النفط والغاز على باب المضيق من أثر هذا الهجوم الصهيوأمريكي على إيران والرد الإيراني على المصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة.  وعلى إثر ذلك أعلنت بعض شركات النفط والغاز في الخليج القوّة القاهرة لتعطّل عملياتها، واضطرّت المملكة العربية السعودية إلى تحويل نفطها عبر أنبوب "شرق غرب" ليعمل بأقصى حد ممكن.

وارتفعت أسعار برميل النفط بشكل كبير لم تعهده من قبل الأسواق العالمية عندما هدّدت إيران بالتحكّم في المضيق وأحدثت ربكة في الأسواق العالمية وفي الدول المستهلكة مثل الصين واليابان وكوريا والهند وحتى الدول الأوروبية؛ مما جعل ترامب نفسه يسمح لروسيا ببيع نفطها  للهند وغيرها من الدول؛ خشية الانقطاع الذي سيحدثه ذلك في سوق الطاقة العالمية. لقد شكلت هذه الحرب ضغطًا كبيرًا على ترامب من قبل حلف الناتو وحلفائه الأوروبيين الذين رفضوا المشاركة في الحرب على إيران وأكّدوا رفضهم المشاركة في فتح مضيق هرمز بالقوة.

لقد ولّدت هذه الحرب الغوغائية إجماعًا ضد ترامب بأنه يقود العالم نحو المجهول بسبب قراراته الرّعناء وتصرّفاته الهمجية التي لا تتناسب مع قيادة دولة بحجم وقوّة الولايات المتحدة الأمريكية.

والتهوّر الذي لازم رئيس الولايات المتحدة الأمريكية في قراراته وتصريحاته وتهديداته غير المألوفة؛ سواءً في الحرب أو ما قبل الحرب جعل الكثير من الدول- حتى الحليفة منها- تستهجن تصرفاته والثقة به والمصداقية في حكومته؛ فمن انسحاب من التفاوض مع إيران لمرتين وتهديده للأوروبيين باحتلال جرينلاند إلى حرب الرسوم الجمركية إلى القبض على رئيس دولة عضو في الأمم المتحدة، ثم حربه على إيران مرّتين وتصريحاته غير المنطقية جعل الكثير من حلفاء واشنطن ينفرون من تصرفاته المُريبة، والتي دعت بعض رجالات الكونجرس بالمطالبة بفحص صحّته العقلية خلال فترة الحرب الأخيرة.

لا يمكن التنبؤ بالذي يخفيه ترامب من مفاجآت بعد الحرب على إيران وما هي التضحيات التي سيقدّمها الشعب الأمريكي في قادم الأيام من أثر تصرّفات الرئيس، هل هي حرب أخرى تستهلك خزانة واشنطن وجيب المواطن الأمريكي، أم أرواح أخرى للشباب الأمريكي الذي يخوض حروبا مُجبرا عليها، أم هو فقدان للمزيد من الدعم والحلفاء للولايات المتحدة الأمريكية، أم انقسامات داخل صفوف الشعب ضدّ الحكومة، هذا ما سوف تظهر ملامحه من خلال انتخابات التجديد النصفي في الكونجرس الأمريكي والمقررة في نوفمبر المقبل.

الأكثر قراءة

z