الأجمل قادم

 

 

 

 

خالد بن حمد الرواحي

أحيانًا، لا يُرهق الناس ما يمرّون به بقدر ما يُرهقهم الشعور بأن شيئًا لن يتغيّر؛ فالتحديات يمكن احتمالها، والعمل يمكن مواصلته، والطريق مهما طال يمكن المضي فيه، لكن ما يُضعف القلب حقًا هو أن يفقد الإنسان إيمانه بأن الغد قد يحمل ما هو أفضل. ومن هنا تحديدًا، لا يعود التفاؤل رفاهًا عاطفيًا، بل يصبح ضرورة داخلية تحفظ للروح توازنها، وللخطوة معناها، وللمسير قدرته على الاستمرار.

فكثيرٌ من الأشياء الجميلة لا تبدأ بصورةٍ لافتة، ولا تدخل الحياة من أبوابٍ واسعة. قد تولد في قرارٍ صغير، أو في محاولةٍ لم يلتفت إليها أحد، أو في إنسانٍ اختار أن يُكمل رغم التعب. ولهذا، لا يصح أن نقيس المستقبل بما نراه الآن فقط؛ لأن بعض التحولات الحقيقية تكون قد بدأت فعلًا، لكنها تواصل نموّها بعيدًا عن الضجيج، بصبرٍ يشبه صمت البذور وهي تعمل تحت التراب.

وما أكثر ما تمنحنا الحياة من مشاهد تؤكد ذلك. شابٌّ تأخرت فرصته، حتى ظن أن الطريق قد أُغلق، ثم فُتح له بابٌ لم يكن يتوقعه. وموظفٌ واصل الاجتهاد بثبات، فيما مرّ الآخرون من حوله بسرعة، ثم جاءت لحظته التي عوّضت سنوات الانتظار. وأسرةٌ أثقلتها الالتزامات، لكنها تمسكت بالأمل، حتى تبدّل ضيقها إلى سعة، وقلقها إلى طمأنينة. هكذا يأتي الفرج أحيانًا؛ لا لأنه تأخر، بل لأنه كان يُرتّب نفسه على مهل.

وفي الأوطان كذلك، لا تُصنع المراحل الأجمل بالشعارات وحدها، بل بالعمل الذي يتراكم، وبالجهد الذي لا يظهر كامل أثره من اللحظة الأولى. فكل تطويرٍ في خدمة، وكل وعيٍ ينمو داخل مؤسسة، وكل فرصةٍ تُمنح لشاب، وكل فكرةٍ تتحول إلى مشروع، ليست وقائع متفرقة كما تبدو، بل ملامح لصورة أكبر تتشكّل بهدوء. وحين تبدأ هذه الصورة في الاكتمال، يكتشف الناس أن ما ظنوه بطئًا… كان في الحقيقة بناءً متينًا.

ولذلك، فالتفاؤل الحقيقي لا يعني أن نتجاهل ما نواجهه، ولا أن نغضّ الطرف عمّا يحتاج إلى إصلاح، بل يعني أن نرى التحديات بوضوح، من غير أن نسمح لها بأن تسلبنا قدرتنا على الرجاء. فالأمل الناضج ليس إنكارًا للواقع، بل فهمًا أوسع له؛ فهمًا يؤمن بأن ما لم يكتمل بعد، ما زال قابلًا للاكتمال، وأن ما يتعثر اليوم، قد يصبح غدًا أكثر صلابةً ونضجًا.

ولعل ما يمنح التفاؤل قيمته الحقيقية، أنه لا يكتفي بتهدئة المشاعر، بل يدفع الإنسان إلى الفعل. فمَن يؤمن بأن القادم أفضل، يعمل بطريقة مختلفة، ويصبر بصورة أعمق، ويرى في العثرة درسًا جديدًا لا نهاية له. لذلك، لا يصنع الغدَ الجميل انتظارٌ طويل، بل تصنعه خطوات يومية صغيرة، يكررها أصحابها بإيمان حتى تتحول، مع الوقت، إلى واقعٍ جديد.

إن أجمل ما في المستقبل ليس أنه مجهول، بل أنه قابل لأن يكون أفضل، ويمكن أن نصنعه على نحوٍ أجمل مما نظن. وما دام في الإنسان قدرةٌ على أن يبدأ من جديد، وفي الوطن إرادةٌ تمضي إلى الأمام، وفي الحياة متسعٌ لمحاولةٍ أخرى، فإن اليأس لا يملك الكلمة الأخيرة. أما الكلمة التي تليق بالغد، وتستحق أن تبقى، فهي هذه: الأجمل قادم.

الأكثر قراءة

z