أنيسة الهوتية
في قصةٍ معتادة، يا ليتها تشبهنا، طائرٌ جميل يطير يوميًا بين السهول والجبال، ويحوم في السماء وقِمَم الأشجار، وسمكةٌ جذابة تعيش في النهر، تعيش في تفاصيل جماله الذي يختبئ عن أعين العالم العلوي. لكلٍ منهما عالمه الذي يعرفه ويألفه؛ الطائر حياته بين الغيوم، والسماء والشمس والقمر والأشجار والجبال، والسمكة حياتها في مياهٍ هادئة، بين الممرات السرية للتيارات، والشبابيك التي تدخل منها الضوء حين يتسلل إلى الأعماق، فيتحول إلى خيوطٍ لامعة من بين الصخور أو النباتات.
في كل يوم يأتي الطائر إلى ضفة النهر، ويجلس لدقائق على الصخرة. وفي كل يوم تأتي السمكة إلى ذات الضفة، وتحوم في المياه الضحلة، وتشاهد السماء.
والتقيا يومًا صدفةً. لم تكن بينهما لغة مشتركة، لكنَّ شيئًا أعمق من اللغة جمعهما. بدأ كلٌ منهما يحدّث الآخر عن عالمه، لا ليثبت أنه الأفضل، بل ليشارك ما يُحب. الطائر يتكلم عن اتساع السماء، والسمكة تحكي عن عمق الماء. وكلما استمع أحدهما للآخر، شعر بدهشةٍ جميلة، كأنه يكتشف حياةً جديدة.
وفي لحظةٍ صادقة، قالت السمكة: "أتمنى لو أستطيع أن أطير لأرى ما تراه".
فردَّ الطائر بهدوء: "وأنا أتمنى لو أستطيع أن أغوص لأعيش ما تعيشه".
ثم صمتا… لكنَّ شيئًا مُهمًا حدث في هذا الصمت. لم تتحول هذه الأمنية إلى غيرة، ولم يشعر أيٌ منهما أنه أقل من الآخر. لم تقل السمكة إنها تكره الماء، ولم يتمنَّ الطائر أن يتخلى عن السماء. كلٌ منهما بقي كما هو، لكنه أصبح أكثر فهمًا واتساعًا.
هذه القصة تشبهنا نحن البشر، لكننا غالبًا نتصرف بعكسها.
ننظر إلى حياة الآخرين فنرى ما يلمع فقط، وننسى أن لكل حياة جانبًا لا يُرى. نقارن أنفسنا بهم، فنشعر أننا أقل، أو نظن أنهم يعيشون حياةً أسهل وأجمل. وأبسط مثال هو مقارنة النساء أنفسهن بالأخريات؛ ربة البيت قد ترى في المرأة العاملة حريةً واستقلالًا، والمرأة العاملة قد ترى في الأخرى راحةً وهدوءًا. لكن الحقيقة التي لا ننتبه لها هي أن لكل واحدةٍ منهما تعبها الخاص، ومسؤولياتها التي لا تظهر للعين.
المشكلة ليست في الاختلاف، بل في أننا نختصر حياة الآخرين في جزءٍ صغير منها، ثم نقارن هذا الجزء بكل تفاصيل حياتنا.
لو توقفنا قليلًا، ونظرنا بصدق، سنكتشف أن ما نملكه ليس قليلًا كما نظن، وأن ما عند الآخرين ليس كاملًا كما نتصور. لكل إنسان نصيبه من الراحة، ونصيبه من التعب، ونصيبه من النعم التي قد لا يراها هو نفسه.
نحن لا نحتاج أن نكون مثل غيرنا، ولا أن نعيش حياتهم، بل أن نفهمها فقط… ونفهم أنفسنا أكثر.
ربما أجمل ما يمكن أن نتعلمه من تلك السمكة والطائر هو هذا الشعور البسيط: أن ننظر لما عند الآخرين بإعجابٍ صادق، دون أن نفقد امتناننا لما عندنا أو نحسدهم.
حينها، تتغير نظرتنا للحياة… ويهدأ شيءٌ في داخلنا كنا نظنه لن يهدأ.
