البارُّ بوالديه لا يشقى

 

 

 

أنيسة الهوتية

بينما كنتُ أتصفح منصة إنستغرام في العشرين دقيقة اليومية التي خصصتها لمنصات التواصل، كل ساعة دقيقتين، استوقفني مقطع للإمام علي خامنئي يتحدث فيه عن والده؛ حيث ذكر أن والده قد فقد بصره مع تقدمه بالعمر، فبدأ هو يجلس معه ويقرأ له الكتب لساعات طويلة، أحيانًا تصل إلى أربع أو خمس ساعات أو أكثر دون توقف.

وذكر أن والده كان محبًا للقراءة، وهذا ما انعكس عليه هو أيضًا. ثم أكمل: كنتُ أقرأ لوالدي دون توقف حتى أشعر بالدوار وشبه الصداع، لكني لم أستطع التوقف، لأنني كنت أرى والدي مستمتعًا، وقلبي كان يتألم عليه لأنه فقد بصره ويتوق للقراءة.

واستمر هذا الحال حتى عقدتُ اتفاقًا معه أنني سأقرأ له حتى يتعب هو، فعلم بأنني أقصد أني أنا الذي أتعب، ولكن كان شغفه وحبه لسماع صوتي يمنعه من إعلان تعبه.

وأنا، بالرغم من تعبي، لم أكن قادرًا على التوقف حبًا له ورحمةً به.

هنا أنا كأنيسة... وجدت جوابًا لسؤالي الذي لطالما تساءلتُ به، وعلمتُ لماذا حاز الخامنئي على كل هذا القبول والمحبة في قلوب الناس؟

طبعًا، ليس الحديث هنا عن الدين أو المذهب، بل عن الإنسان، عن الأخلاق، عن الرحمة، عن البر.

وحين نتأمل كتاب الله، نجد أن برَّ الوالدين قُرن بأعظم أمر، وهو التوحيد، قال تعالى: "وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا"؛ فهنا إشارة عظيمة إلى أن طريق التوفيق والنجاح يبدأ من هذا الباب.

وحين ننظر إلى هذا النموذج، نفهم أن البر بالوالدين ليس مجرد واجب، بل سر من أسرار التوفيق في الحياة، سرّ الارتقاء.

فالبار بوالديه لا يشقى، إنما حتمًا للعلياء سيرقى.

وللأسف، في مجتمعاتنا اليوم، نرى كثيرين يركضون وراء المال، والمناصب، والنجاح، والدراسات العليا، شاغلين أنفسهم بإنهاك وشقاء تام… ومع ذلك لا يصلون لما يريدون، أو يصلون جزئيًا فقط. ثم يتعجبون لماذا التوفيق ليس حليفًا لهم؟!

رغم أن مفتاح التوفيق موجود عندهم… لكنه مهمل. والمفتاح هو: الوالدان، رضاهما، دعاؤهما، البر بهما، الإحسان إليهما… أمور يستهين بها البعض، وهي في الحقيقة من أعظم أسباب التوفيق والحفظ من المصائب. ومن سار في هذا الطريق، فتح الله له أبوابًا لم يكن يتخيلها، وبارك له في عمره وعمله ورزقه.

ودعوة الأم لأبنائها قد تغيّر قدرًا كاملًا في حياته. وحتى من فقد والديه… لا يزال باب البر مفتوحًا: بصلة الرحم، وبالإحسان إلى الإخوة والأخوات، وبترك الخصام، وبالمحافظة على روابط العائلة… وكل ذلك من البر.

لكن المشكلة أن كثيرًا من الناس أصبحوا يعيشون حياة سطحية، يأخذون من الحياة ظاهرها فقط… كمن يلتقط ما يطفو على سطح البحر، ويترك الكنوز في الأعماق.

لماذا؟

لأن الغوص يحتاج شجاعة، والبر يحتاج قوة وتواضعًا، والإحسان يحتاج قلبًا حيًا متسامحًا. والبعض يمنعه الكِبر والأنفة من البر، فيراه أمرًا ثقيلًا.

حسنًا… إن كان البر صعبًا، فليكن الإحسان. "هل جزاء الإحسان إلا الإحسان"؟!

ومن أراد التوفيق فليحسن إلى والديه، أحياءً كانوا أم أمواتًا… نعم، إن لم تستطيعوا البر الكامل، فلا تحرموا أنفسكم من الإحسان، فبه تُفتح أبواب كثيرة في الحياة، وتُرفع به الدرجات، وتتحقق به الأمنيات.

الأكثر قراءة

z