◄ تخيَّل أن تُضَخ هذه الأموال الطائلة في شركات مُرخَّصة أو صناديق استثمارية حقيقية أو بورصة مسقط، أو في أي أداة من الأدوات الاستثمارية التي تخدم الاقتصاد الوطني
خلفان الطوقي
دار حوار بيني وبين صديق عزيز، وطرح عليَّ هذا السؤال: لماذا تستمر عمليات النصب والاحتيال في عُمان، بالرغم من الحملات التوعوية والرسائل التحذيرية المستمرة من جهات الاختصاص؟ وهذا ما دعاني لكتابة هذه المقالة، ونقل الجواب من خاص إلى عام، كنوعٍ من الواجب الإعلامي لتسليط الضوء على هذا الموضوع -القديم المُتجدِّد- كلما سنحت الفرصة، ولا ضير في إبرازِه بين فترة وأخرى.
جوابي لسؤال الصديق العزيز لم يعتمد على سبب واحد؛ بل لعدة أسباب، أهمها: قلة الوعي، والمستوى التعليمي، وقلة الخبرات التراكمية، والطمع والجشع في الكسب السريع السهل، وتفنن ومعرفة بائعي الأوهام بنقاط ضعف الضحايا، والحملات التقليدية المُكرَّرة التي لا تلامس المشاعر، وقلة الفرص الاستثمارية من وجهة نظر الضحايا، والإجراءات القانونية التي تطول عند إدانة الدجالين واللصوص وبائعي الأحلام.
دائمًا ما يُقال إنَّ طرح المشكلة سهلٌ، أما الحل فهو الأصعب. وبالنسبة لحل هذه المعضلة الأزلية لمسلسل النصب والاحتيال الذي لا ينتهي، ربما تنخفض هذه العمليات من فنون النصب والدجل تدريجيًا، لكنها لا تنتهي، وهذه إحدى المُسلَّمات التي يجب الاتفاق عليها.
وبالعودة إلى الحلول العديدة، والتي يمكن استعراض بعضها باختصار، وأهمها: إلزامية تخصيص عدد من الحصص الصفية في المنهج التعليمي بالمدارس والجامعات، وابتكار حملات توعوية مستمرة طوال العام؛ لأن عمليات النصب والاحتيال لا تتوقف، هذا إلى جانب تغليظ العقوبات القانونية ضد المجرمين، والتوعية الذاتية المستمرة؛ فالإنسان يحتاج لأخذ جرعات توعوية بين فترة وأخرى، وتحديد مسار إجرائي قانوني سريع لهذا النوع من القضايا، التي معظم ضحاياها من البسطاء من الناس، وضرورة تبني نهج الحملات التوعوية الجماعية؛ بمعنى تقاسم الأفكار الابتكارية والمصاريف المالية وتوحيد الجهود وتقليل الكلفة المالية والوقت وتكرار الجهود.
ولا شك أن تقليل هذه الجرائم قدر الإمكان غاية في الأهمية من جميع النواحي الاقتصادية والاجتماعية، ولنا أن نتخيل جزئية واحدة من هذا الموضوع المعقد، والجزئية تكمن في مئات الملايين من الريالات العُمانية التي اختفت بسبب هؤلاء الدجالين المحترفين في فنون بيع وَهْم الكسب السريع؛ إذ أصبح تعقب هذه الأموال وإعادتها إلى أصحابها، في معظم الأحيان، شبه مستحيل. وتخيل أن تُضخ هذه الأموال الطائلة في شركات مُرخَّصة أو صناديق استثمارية حقيقية أو بورصة مسقط، أو في أي أداة من الأدوات الاستثمارية التي تخدم الاقتصاد الوطني، والآثار الإيجابية التي تأتي بها هذه الأموال.
الحيرة التي لم نجد لها مبررًا منطقيًا بيني وبين صديقي، أننا ربما نتفهم وقوع البسطاء وقليلي المال والعلم والخبرة في هذا الفخ، لكن المستغرب وقوع المُتعلِّم والغني والمحنك في التجارة في هذا المطب المؤلم. لكن يبقى المثل الحكيم لكبار السن، والذي يتردد في مسامعنا دون تمعُّن واستيعاب وتأمل: "الطمع يضيع رأس المال".
