حرب الأكاذيب.. لماذا تستهدف عُمان الآن؟

 

 

 

د. محمد بن عوض المشيخي **

 

العالم من حولنا يسوده خطاب الكراهية والفوضى العارمة التي تُدار من خلف الشاشات المُظلمة والأسماء الوهمية التي أصبحت تُقدَّر بالملايين في السماوات المفتوحة والفضاء الافتراضي الذي يعج بالكثير من الرسائل والمضامين التي تفتقد إلى المصداقية بالمجمل، تارةً بهدف قلب الحقائق واستهداف البيوت الآمنة والمجتمعات المسالمة، وتارةً أخرى لتحويل هذه المعركة الخاسرة إلى القنوات التلفزيونية الرسمية منها والخاصة.

ونشهد بين وقتٍ وآخر أسماءً نكرة تبحث عن مكانة وهمية عبر تطاولها على الآخرين، بعيدًا عن قِيَم الخطاب الإعلامي الرصين المعروف بالصدق والموضوعية والتوازن. فكانت الحقيقة هي الضحية الأولى في هذه الحروب الدعائية التي تحاصرنا منذ الصباح الباكر وحتى الولوج إلى غرف النوم في المساء.

من هنا، ووسط هذا الجدال الساخن الذي يُسيطر على الجميع -مثل غيرنا في هذا الكوكب- يُسطِّر الشعب العُماني وقياداته اليوم، وعبر التاريخ، سجلًا يُكتب بماء من ذهب، انطلاقًا من المبادئ والقيم السامية التي يؤمن بها كل فرد عُماني، ويعمل على تكريسها وتحقيقها على أرض الواقع في هذا الوطن الغالي الذي لا ينبت فيه إلا الطيب. إنها سجية فريدة وقيمة مضافة انفرد بها العُمانيون منذ القدم، وأقرها الحديث النبوي الشريف منذ أكثر من 1400 سنة، عندما خصهم الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم عن غيرهم من البشر والشعوب بقوله: "لو أنَّ أهل عُمان أتيتَ ما سبُّوك ولا ضربوك".

نعم.. هذه هي أخلاقنا، ويكفيني فخرًا هذه الكلمات المُعبِّرة التي أُعدها أوسمةً رفيعةً على صدورنا نحن العُمانيين. ومن هنا تأتي كتابة هذه السطور العابرة، ليس بردٍّ على الدعاية السوداء والتضليل الإعلامي الرخيص الذي يستهدف -عن جهلٍ بالأمور- هذا الوطن الذي ميَّزه الله بشعبٍ وفيٍّ وقيادة حكيمة يُشار لهما بالبنان على مستوى العالم في الحنكة ووزن الأمور بمقاييس العدل والأخلاق وحُسن الجوار والدفاع عن الحق، والبعد عن المؤامرات والدسائس واستهداف الآخرين والكيد لهم؛ بل للتوضيح أن تلك الأكاذيب والافتراءات لا يمكن أن تنال من هذه القلعة الشامخة التي اسمها "الغبيراء"، والتي يعترف لها العالم من أقصاه إلى أقصاه بدورها الريادي في السلام، وتجنيب الإنسانية جمعاء القتل وويلات الحروب.

أما هناك على الجانب الآخر ممن لا تسعفه ذاكرته، فلا يعرف بالضبط عمَّن يتكلم ومن ينتقد؟ فهؤلاء المغضوب عليهم أصبح دورهم معروفًا في نشر الفتن بين الناس واختلاق الروايات المُضلِّلة مقابل المال. ويومًا بعد يوم تفقد تلك الأصوات والأقلام المأجورة مصداقيتها، هذا إذ كان لهم في الأساس ذرة من الصدق، مهما تزيَّنوا بغطاء الألقاب الأكاديمية التي جردوها من رسالتها السامية التي تعني البحث عن الحقيقة وتقديمها للبشرية بثوبها الأبيض النقي والبعيد عن الشوائب، بينما يُقدَّم البعض الآخر ممن يطلقون على أنفسهم الكُتّاب والشعراء؛ بل إن هناك وزراء سابقين يطلقون سرديات كاذبة عن مواقف سلطنة عُمان تجاه الأمن القومي العربي الذي يتربع العُمانيون فيه على قمة لوحة الشرف الأولى بلا منازع. ولعلنا هنا نتذكر الإمام المؤسس أحمد بن سعيد البوسعيدي الذي أرسل ابنه هلال لفك حصار الفرس عن مدينة البصرة العراقية؛ مرورًا بالإمام الصلت بن مالك الخروصي الذي أنقذ سقطرى من النصارى والعلوج الذين كانوا يعيثون فسادًا في الجزيرة اليمنية، وصولًا إلى تحرير دولة الكويت عام 1991؛ حيث كانت طلائع القوات العُمانية في مقدمة الجيوش التي دخلت مدينة الكويت.

صحيحٌ أن هؤلاء -الذين ندعو الله لهم بالهداية وتحري الصدق قبل فوات الأوان- لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة، إلا أن العالم بأسره يستنكر ويستهجن من يفتري على عُمان بغير وجه حق، أو حتى يتردد في تسمية الأمور بمسمياتها الصحيحة، والمتمثل وضع هذا البلد العظيم في المكان الذي يليق به وبسلاطينه الميامين الذين سطَّر لهم التاريخ صفحات مُشرقة ومضيئة منذ عهد الإمام المؤسس إلى السلطان المفدى هيثم المجد.

والسؤال المطروح الآن: ما التهم التي تتذرَّع بها تلك الأبواق، والتي تفتقد إلى أدنى معايير الموضوعية؟

تتجلى الحقيقة الغائبة عن البعض في الوساطة العُمانية بين أمريكا وإيران، والتي هدفها الأساسي تجنيب منطقتنا من الحروب المُدمِّرة التي تُلقي بظلالها على ضفتي الخليج الآن، وهناك اليوم ما يكفي ويساند التوجه العُماني؛ إذ إن آلة الحرب قد قضت على آلاف الأبرياء في إيران، بجانب الضحايا في دول الخليج، فضلًا عن التدمير المُمنهَج للبنى الأساسية في المنطقة، والتي تُقدَّر تكلفة إصلاحها وترميمها من جديد بمئات المليارات من الدولارات. وبعض الأصوات تتحدث عن أن سلطنة عُمان على وفاق مع إيران حول فرض رسوم على مضيق هرمز، لكن ذلك عارٍ عن الصحة تمامًا، فقد أكدت الحكومة العُمانية، ممثلة في وزير النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، أن عُمان ترفض فرض رسوم على العابرين للمضيق، موضحةً أن الذي يحكم المرور عبر هرمز هو اتفاقية 1982 للأمم المتحدة، التي وقَّعت ثم صادقت عليها السلطنة وأصبحت سارية المفعول منذ عام 1994.

وفي الختام.. الوطن دائمًا بحاجة لجميع أبنائه المخلصين في هذه الأيام، ليس للدفاع فقط؛ بل لتصويب الأخطاء وتكذيب الدعاية المُغرِضة، وما أكثرها عبر المنصات الرقمية والقنوات الفضائية التي أصبحت تُلوِّن الأخبار وتنشر أنصاف الحقائق دون رقيب ولا حسيب. وفي الأيام الأولى لهذه الحرب تشرَّفتُ بالتواصل مع بعض القنوات الفضائية لإخطارها بضيوفها الذين يطيب لهم الهجوم على سلطنة عُمان، وبالفعل نجحنا في ذلك بفضل الله وتعاون الأشقاء، وكذلك قمنا بتصحيح بعض المعلومات التي نُشرت من قبل بعض المراسلين دون قصد منهم؛ إذ تجاوبوا فورًا لتصحيح المعلومات غير الدقيقة؛ بل وتم حذفها في النشرات التالية.

ومن الظواهر الرائعة منذ الساعات الأولى للحرب، تواجد كوكبة من الكُتّاب والإعلاميين العُمانيين في معظم القنوات الفضائية التي تُشاهَد من المحيط إلى الخليج، وخاصة قناتيْ: الجزيرة والعربية، وقد جاد هؤلاء في حديثهم في تمثيل سلطنة عُمان خير تمثيل، من حيث التوازن والاعتدال والصراحة، وكأنهم على قلبٍ واحدٍ لرفع شأن الوطن في المحافل الدولية. ولكن فجأة اختفت وانطفأت تلك الأصوات، وعليه نقترح على جهات الاختصاص تشجيع تلك المنابر والعمل على استمراريتها؛ لكون ذلك يُشكِّل قوةً ناعمةً عُمانيةً، بدلًا من ترك الساحة للآخرين للحديث عن عُمان، فقد لا ينصفونها، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يعطوها حقها؛ بشرط أن يلتزم هؤلاء المحللون والكتّاب بالسياسة الإعلامية العُمانية والثوابت التي أرستها السلطنة، وأصبحت اليوم تُدرَّس في أفضل الجامعات حول العالم. وهذه الأيام تحوَّل مضيق هرمز إلى حديث الساعة؛ إذ أصبح الشغل الشاغل للعالم، لكن ما يُقال عنه من الجانب العُماني قليل، ولا يتناسب مع هذا الزخم المنقطع النظير.

 

** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري

الأكثر قراءة

z