حمد الحضرمي **
قبل عدة أيام مضت رحل عنا الأستاذ زياد، الابن الصالح، الشاب الخلوق، المُعلِّم المُخلِص القدوة، والإنسان الصادق الكريم، صاحب الخُلق الرفيع، والابتسامة الصادقة التي لا تفارق مُحياه، الذي أحبه الجميع. رحل زياد عن الدنيا وهو في مقتبل العمر وربيع العطاء، تاركًا وراءه غصةٌ لا تبرد، ودموعًا لا تجف، وجرحًا غائرًا في قلب والديه وإخوته وأهله.
لم يكن رحيلك يا زياد خبرًا يُروى، بل كان فاجعةً سقطت على القلوب دفعةً واحدة، فاهتزّت لها الأرواح قبل الكلمات. لم يكن الحزن عليك عابرًا، بل وجعًا ثقيلًا يستقر في القلوب. رحلت يا زياد، لكنك تركت فراغًا لا يُملأ، وذكرى طيبة لا تنسى، وسيرةً عطرة تشهد لك بأنك كنت ابنًا صالحًا، ونفسًا نقية طاهرة عاشت معنا، فتركت في الأرواح أثرًا لا يزول.
أيها الابن الصالح، يا من كنت لأبيك روحًا تمشي على الأرض، ورفيقًا دائم لا يغيب، وسندًا لا يُعوّض. فكيف يقاس هذا الفراق الأليم على حال الأب، الذي لم يصدق بأن ابنه قد فارق الحياة -رغم إيمانه بقضاء الله وقدره- فحزن الأب ليس ككل حزن، إنه وجعٌ لا يوصف فقد فلذة كبده، وقطعة من قلبه، فزياد رغم وفاته، حيًا في قلب أبيه لا يغيب، ولا يفارقه الحنين إليه، والله يعلم بأنه لن ينساك، وإن غبت عنه، فأنت في الروح تسكن، ومن يسكن الروح، كيف القلب ينساهُ.
إن أمك الحزينة تبكيك، وقلبها المكسور يناديك في صمت، ودعاؤها يرافقك في كل حين، وصبرها اليوم ليس إلا ثوبًا تخفي به ألمًا لا يُوصف. وإخوتك يفتقدونك، فأنت كنت أخًا عزيزًا محبًا لهم طيب القلب، وهم في شوق إليك، وأهلك يذكرونك في كل حين، كأنك ما زلت بينهم تعيش، وطلابك يبكونك بكل حزن، وزملاؤك يذكرونك بكل خير، ومدرستك لم تعد كما كانت، لأن الأرواح النقية حين تغيب، تترك فراغًا لا يملؤه أحد.
رحلت يا زياد، لكن آثارك لم ترحل، بقيت في دعوةٍ صادقة تتردد في قلوب طلابك، وفي دمعةٍ صامتةً في أعين والديك، وفي ذكرٍ طيب على لسان كل من عرفك. لم يكن عمرك طويلًا، لكن حياتك كانت مليئة بما يجعل ذكرك أطول من العمر بسنين.
وحين رحلتَ يا زياد، رحلت معك أشياء كثيرة؛ رحل الابن البار بوالديه، الحنون بإخوته، الوفي لأهله وأصحابه، رجل العطاء والكرم والجود. فبرحيلك ذهبت معك أشياء لن تعود ولن تُعوَّض. فنَمْ قرير العين يا زياد، فقد تركت سيرةً طيبةً تشهد لك، وأثرًا لا يمحوه الغياب؛ فأنت باقٍ في قلوبنا إلى الأبد، ودعواتنا لك بالرحمة والمغفرة والرضوان.
رحيل زياد عن الدنيا يدمي القلوب، ويؤلم الأرواح، ويدمع العيون، فما أصعب الحياة بعد رحيله، ولكنها سنة الله في خلقه، ماضٍ لا يُرد، وحقيقة لا ينجو منها أحد، وعلينا الرضا والتسليم بقضاء الله وقدره، والصبر والاحتساب لأنه زادُ القلوب المنكسرة، وعلينا بالدعاء فهو سلوى القلوب وملجأ الأرواح، ورجاءٌ لا ينقطع، يصل ما بين الأرض والسماء، ويمنح القلب طمأنينة بأن من رحل هو في كنف رحمة الله، وأنه سبحانه لا يردّ دعاءً خرج من قلوبٍ صادقة.
وإن كانت المصيبة علينا كبيرة، إلا أننا لا نقول إلا ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا". اللهم أنزل السكينة والطمأنينة على قلب والديه وإخوته وأهله، واجعلهم من الصابرين المحتسبين.
نعم إن الفراق قد كسر قلوبنا، ولكن الأمل في لقاء لا فراق بعده، هو ما يُبقي الصبر حيًا. وداعًا أيها الغالي زياد، إلى لقاءٍ لا فراق بعده في جنات النعيم.
** محامٍ
