بين نافذتين!!

 

 

المعتصم البوسعيدي

كُنّا ننظرُ إلى الرياضةِ على أنّها نافذةُ الأملِ في عالمِ الصِّراعاتِ المُظلِمة، التي تحكمُهُ قوانينُ الغاب؛ حيثُ البقاءُ فيه للأقوى وتابعيهِ؛ إذ يمكنُ للحمارِ أن «يحكمَ بأحكامهِ» فقط لأنّهُ من المُقرّبينَ المُتزلّفينَ عندَ الأسد؛ فلا منطقَ يُتّبع، ولا قيمَ تسود. لكنَّ النَّظرةَ تبدّلت؛ إذ انغمستِ الرياضةُ في هذا العالم، وأصبحت ورقةً سياسيةً واقتصاديةً، تغلبُها المصالحُ واتباعُ الهوى، وتحرّكها القوى ورغباتُها.

رأينا هذا المشهدَ في ازدواجيةِ الحربِ الروسيةِ الأوكرانيةِ من جهة، والحربِ الغاشمةِ على غزّةَ من جهةٍ أخرى. وربما سنعيشُ ذلك في المونديالِ العالميِّ القادم، وسعيرُ الحربِ الأمريكيةِ الصهيونيةِ على الجمهوريةِ الإسلاميةِ الإيرانيةِ لا يزالُ ملتهبًا، ولا يُعرَفُ إلى أيِّ نهايةٍ سيؤول. والشيءُ بالشيءِ يُذكَر؛ فنحنُ لا نزالُ نذكرُ اتهاماتِ المونديالِ العالميِّ الأخيرِ (2022) في الشقيقةِ قطر، قبل أن تسكتَ الأفواهُ، وتخرسَ الألسنُ بأفضلِ نسخةٍ تنظيميةٍ على الإطلاق، وبشهادةِ الجميع.

النافذةُ لا تقتصرُ على الاتحادِ الدولي؛ فملفاتُ الاتحاداتِ القاريةِ لا يتوقّفُ ضجيجُها، بما في ذلك اتحادُنا الآسيوي، الذي شهد قضايا ومحاكماتِ فسادٍ، وهناك اتهاماتٌ كثيرةٌ تدورُ داخلَ الكواليسِ وخارجها. لعلَّ آخرَها تسميةُ حكّامِ القارّةِ للمونديال «الأمريكي»، وإقصاءُ أسماءٍ بارزةٍ كحكمِنا الدوليِّ أحمد الكاف. والحديثُ لا يقتصرُ على بابِ التحكيمِ فقط؛ بل يمتدُّ إلى استغلالِ النفوذِ والمناصبِ لصالحِ الاتحاداتِ المحلية. وربما من كثرةِ اعتيادِ هذا الحديثِ بات لا يلفتُ الأنظارَ، ولا يمسُّ القيم؛ ونافذةُ الأملِ التي نتحدّثُ عنها نافذةٌ لا يُمسَحُ غبارُها، باعتبارِهِ إطارَها الدائم.

أمّا نحنُ ورياضتُنا، فلا صوتَ مسموعٌ، ولا ضجيجَ محسوسٌ؛ يتلقّفُنا الخارجُ بواقعِنا الذي لا يعزّزُ من حضورِنا، ولا يُثلجُ صدورَنا. نهتمُّ بالمدرّبينَ ونوعيّتهم ورواتبِهم واختياراتِهم، وندورُ في حلقةِ الرِّضا بفتاتِ الإنجازاتِ العابرة، وبصرخةِ الفشلِ الدائمةِ التي تتلاشى بالتقادم. صحيحٌ أنّ لنا مسارًا لا يثيرُ الضوضاءَ بطبيعتِنا الهادئة، لكنَّ الحقوقَ -في أحيانٍ كثيرة- تحتاجُ صوتًا مسموعًا، كما أنّ الحقوقَ تُنتزَعُ حينما تتقاسمُ القوى «كعكةَ» المكافآت.

وبين نافذةِ الأملِ والنور، ونافذةِ اليأسِ والديجور، خيطٌ رفيعٌ تختلطُ فيه المفاهيمُ والتوجيهات؛ والكَيِّسُ الفطنُ مَن يُدركُ ما بين السطور. وعسى أن تُشرِقَ رياضتُنا، ونحتلَّ مكانتَنا وفقَ إمكانياتِنا الكامنة؛ فنحنُ نملكُ طاقاتٍ كبيرةً تعاني من الهدر؛ بل إنّ هناك مَن يقتنصُها. نجومٌ تتصدّرُ المشهدَ بثوبٍ جديد، مع كلِّ الأمنياتِ لهم بالتوفيقِ أينما اختاروا، على أنَّ الأصلَ باقٍ، ولو حادَ عن الطريق.

الأكثر قراءة

z