ناصر بن سلطان العموري
تسمَّر العديد من العائلات العُمانية، بعد وجبة الإفطار في شهر رمضان المنصرم، أمام الشاشة الفضية لتلفزيون سلطنة عُمان، لمشاهدة مسلسل "القافر"، والذي تدور أحداثه في قرية عُمانية قديمة، وتتمحور حول شخصية "مقتفي أثر الماء"؛ وهو رجل يمتلك مهارة فطرية في اكتشاف منابع المياه الجوفية تحت الأرض في زمن الجفاف والبحث المضني عن الحياة؛ حيث يصبح هو الملاذ الوحيد الذي يحتاجه الجميع؛ لتتشابك مهنته النادرة مع أسرار الحارة وصراعاتها في دراما تاريخية تستعرض علاقة الإنسان الأزلية بالماء والأرض.
المسلسل يغوص في علاقة العُماني بالأفلاج والصراعات الإنسانية المرتبطة بالبحث عن سر الحياة، وسط أجواء تمزج بين الواقع والأسطورة.
لم يكن عرض مسلسل "القافر" خلال موسم رمضان 2026 مجرد إضافة لجدول البث التلفزيوني المعتاد؛ بل كان إعلانًا صريحًا عن ولادة عهد جديد للدراما العُمانية، عهد يتصالح فيه النص الأدبي الرصين مع الصورة البصرية المدهشة؛ فالمسلسل المقتبس عن رواية "تغريبة القافر" للروائي العُماني المبدع زهران القاسمي، التي فازت بالجائزة العالمية للرواية العربية "بوكر" لعام 2023.
كاتب الرواية، الذي هو نفسه كاتب السيناريو في المسلسل، نجح في تحويل الصمت السردي في صفحات الرواية إلى صخب درامي ممتع حبس أنفاس المشاهدين على مدار 30 حلقة، واستطاع بدوره المخرج السوري الفذ تامر إسحاق، مدعومًا بإنتاج ضخم من تلفزيون سلطنة عُمان، أن يستنطق الحجر والطين في "حارة البلاد" التراثية بولاية منح، محولًا إياها من موقع أثري صامت إلى بطل درامي يفيض بالحياة. كانت الأزقة الضيقة والبيوت الطينية المتداخلة تعكس بدقة تلك العزلة الوجودية التي عاشتها الشخصية المحورية "سالم بن عبدالله"، ذلك الرجل الذي يمتلك حاسة فوق بشرية لاقتفاء أثر الماء تحت طبقات الأرض القاسية.
وما ميَّز "مسلسل القافر" عن غيره من التجارب الدرامية السابقة هو قدرته الفائقة على محاكاة الواقع العُماني المعاش بصدق مذهل؛ فقد تجاوز العمل فخ "الفلكلور الجامد" أو القصص السطحية التي ميزت بعض الأعمال الماضية؛ ليغوص في صميم الشخصية العُمانية وارتباطها الوجودي بالأرض والفلج. لقد رأى المشاهد العُماني في المسلسل انعكاسًا لتاريخ أجداده وكفاحهم الحقيقي مع الطبيعة بأسلوب واقعي يبتعد عن المبالغة الدرامية ويحترم ذكاء المشاهد، عبر تقديم تفاصيل دقيقة في اللهجة، واللباس، وطقوس الحياة اليومية التي لا تزال أصداؤها تتردد في القرى والحارات العُمانية حتى يومنا هذا.
إنَّ عبقرية العمل تكمن في قدرته على ملامسته للمجتمع العُماني؛ فهو لم يكتفِ بعرض مهنة مقتفي أثر الماء كحرفة قديمة غابرة، بل قدَّمها كفلسفة للبقاء وصراع أزلي بين الإنسان وعناصر الطبيعة. أداء الممثلين العُمانيين اتسم بالنضج والإبداع والابتعاد عن التكلف، مما منح الشخصيات لحمًا ودمًا، وجعل صراعاتها الإنسانية قريبة من وجدان الجمهور، الذي تفاعل مع كل حلقة حتى آخر حلقاته؛ بل وتجلى هذا النجاح في "الشارع العُماني"، الذي بات ينادي الفنانين بأسماء شخصياتهم، في دليل قاطع على ذوبان الفواصل بين الممثل والدور.
فقد أثبت "مسلسل القافر" أن الكنوز الأدبية العُمانية هي منجم ذهب ينتظر الاستثمار البصري، وأن المشاهد العربي اليوم بات متعطشًا لقصص حقيقية تنبع من عمق الأرض وتاريخ الإنسان بعيدًا عن القوالب الجاهزة والمكررة. يبقى "مسلسل القافر" علامة فارقة في تاريخ التلفزيون العُماني، وتجربة ملهمة تؤكد أن الدراما حين تتكئ على فكر أدبي رصين وإنتاج واعٍ تصبح قادرة على صياغة هوية بصرية تتجاوز الحدود الجغرافية، لتروي للعالم سيرة شعبٍ صنع حضارته بقطرات العرق وحبات المطر.
كما جاء المسلسل في كونه القطعة الفنية المطلوبة مع نمطية المسلسلات التقليدية، ليضع معيارًا جديدًا لا يقبل التراجع للإنتاج المحلي. لقد أثبت هذا العمل أن الدراما حين تنبت من طمي الأرض العُمانية وتستقي من أفلاجها الفكرية فإنها لا تكتفي بالترفيه، بل تصبح وثيقة بصرية تحفظ الهوية وتصوغ الذاكرة الجمعية للمستقبل.
إنَّ نجاح "مسلسل القافر" ليس مجرد نجاح لعمل درامي عابر، بل هو دعوة صريحة للاستثمار في الكنوز الأدبية العُمانية، واستثمار ما تحتويه عُمان من بانوراما ساحرة من كنوز تراثية عبر القرى التراثية العتيقة والأفلاج والبساتين الساحرة. لقد أثبت المسلسل أن الهوية المحلية بكل تفاصيلها وقصصها الملهمة قادرة على التحليق بعيدًا إذا ما اقترنت بالرؤية الفنية الجريئة، ليظل "مسلسل القافر" وصوت خرير الأفلاج شاهدًا على أن الدراما العُمانية قد وجدت أخيرًا بوصلتها التي ستقودها إلى منصات التميز العربي والعالمي.
