مدير عُماني جدير

 

 

 

أ.د. هشام البحيري **

مُنذُ زمنٍ بعيد، وقوة الإدارة تُستقى من مصدرين هما: السيطرة على الناس، والسيطرة على المعلومات.. فمع أي مصدر منهما تتفق عزيزي القارئ؟

لكن اسمحوا لي أن أرفض المصدرين ولا أتفق مع أي منهما؛ سواء السيطرة على الناس، أو السيطرة على المعلومات، والسبب في ذلك الاختلاف، أن قوة الإدارة والقيادة في الألفية الثالثة تُستقى من مصدر ثالث يختلف عن المصدرين السابقين، ألا وهو: "تطوير قدرات ومواهب الذات والتابعين"؛ حيث إن هذا المصدر الثالث هو الذي يصنع مديرًا ناجحًا، وهو ذلك المدير الذي يتصف بمجموعة السمات التالية: من يستثمر في مواطن قوته وقوة موظفيه، ومن يحيط نفسه بالمتميزين، ومن يتفهم احتياجات التابعين له، ومن يتوافق مع الأنماط المختلفة من الموظفين. وكلما نجح المدير في اكتشاف مواطن قوته ومواطن قوة موظفيه، استطاع أن يُضاعف نتائج العمل، واستطاع تحقيق النجاح، واستطاع أن يُكلِّف الموظفين بالمهام التي يكونون قادرين على القيام بها.

ولن يستطيع أي مدير تحقيق ذلك الاستثمار الفعّال في النفس وفي الآخرين إلّا إذا كان يتمتع بواحدة أو أكثر من المزايا التالية: مهارة اتصال ممتازة، والتمتع برؤية استراتيجية ثاقبة، والتمتع بالتفكير المنظم، وأن يكون قادرًا على التنفيذ الفعّال والمتابعة الرشيدة، وأن يكون بارعًا في بناء العلاقات.

وعن أسباب إحاطة المدير المتميز نفسه بالمتميزين والمحترفين؛ فهذا لأن المدير غير الكفء هو الذي يُفضِّل العمل مع مرؤوسين ضعفاء، اعتقادًا منه أن ذلك يُعطيه فرصة التمتع بالسلطة المطلقة، كما يبرز قوته أمام السلطة الأعلى له، ويطيل عمره الوظيفي. وعلى العكس تمامًا؛ فالمدير الكفء هو الذي يُفضِّل أن يعمل مع موظفين أذكياء ومحترفين ومتمكنين من أعمالهم، وهذا الوضع يعكس أنه الأذكى والأقوى. لكن الواقع العملي يعكس عكس ذلك؛ حيث يُفضِّل أي مدير في معظم الأوقات أن يكون فريقه من الضعفاء وليس من المحترفين المتخصصين، وذلك تجنبًا لمصاعب قيادة المحترفين المتخصصين، والتي تتمثل في:

أ- أنها سُلطة أقوى من سلطات أي مدير، وخاصة متى كان ضعيفًا وغير جدير بالإدارة.
ب- لا يُنفِّذ الموظفون المحترفون الأوامر والتعليمات بشكل تلقائي؛ بل يحتاجون إلى الكثير من المناقشات والمجادلات، وهذا يجعل المدير الضعيف يشعر وكأنه صاحب "سُلطة رخوة".

ج- يكمن رأسمال المحترفين في أذهانهم، ولا يمكن أخذ أفكارهم واستعمالها دون إرادتهم، وهذا يجعل هناك ضرورة لقيادتهم بطريقة مختلفة.

د- اعتاد المحترفون على التميز والتفوق، فلا بُد من التعامل معهم باحترام.
هـ- يرفض المحترفون الخضوع للإدارة الصارمة الصريحة، ولا يقتنعون إلّا بالمدير صاحب الخبرة والتفوق العلمي.

و- ولاء المحترفين يكون لمهنتهم وليس لمنظماتهم، لذا تجدهم دائمًا كالطيور المهاجرة.
ز- اعتاد المحترفون حب التنافس والغرور نظرًا لثقتهم العمياء في أنفسهم وقدراتهم المهنية.

ح- يرفض المحترفون مشاركة المعلومات والمعرفة مع زملائهم لكونهم يدركون قوة المعلومة.

والسؤال المطروح الآن: كيف تتعامل كقائد عُماني مع المحترفين؟

إنَّ المتاح أمامك عزيزي المدير العُماني بديلان؛ هما: الأول: إمّا تبني أسلوب "الإدارة السلبية"، بمعنى اليأس من إدارة المحترفين والانسحاب من المنظمة، أو ممارسة دور إشرافي شكلي أو شرفي. أما البديل الثاني فهو: تبنّي أسلوب "الإدارة الإيجابية"؛ بمعنى عدم التركيز على الجهود فحسب، وإنما العمل على إدارة القلوب والأذهان والنفوس أيضًا، ومعاملة الموظفين المحترفين كشركاء وليسوا أُجراء.

وعن أهمية تفهُّم المدير العُماني لاحتياجات تابعيه، فعندما يتفهم المدير احتياجات تابعيه، سيستطيع أن يُقدِّم لهم أقوى حافز ممكن ليحصل منهم على أعلى أداء ممكن. والسبب في ذلك أن فريق العمل الواحد تختلف طموحاته ودرجات الإخلاص والشعار الذي يؤمن به.

وعن أهمية التوافق مع الأنماط المختلفة من الموظفين؛ فهذه كلمة سر بالغة الأهمية لتحقيق النجاح، وذلك لأن الموظفين يأتون من بيئات مختلفة، ومن مستويات تعليم مختلفة وثقافات مختلفة، وأيضًا من دول مختلفة لها عادات وتقاليد مختلفة عن بيئة عُمان، وحتى الموظفون أبناء عُمان أنفسهم، فهم مختلفون بسبب المناطق الجغرافية وعاداتها وتقاليدها كذلك.

والموظفون -عزيزي القارئ- إمّا أن يكونوا من طبقة القوّالين أو من طبقة الفعّالين. والموظفون القوّالون هم من يهتمون بالأقوال أكثر من الأفعال، وهم كتومون لا يحبون الإفصاح عمّا يدور بداخلهم، ويتحدثون بصوت منخفض، وحركاتهم بطيئة، وأفضل من يصل فيهم هو من يصبح من طبقة "القوّالين الإيجابيين".

أما الموظفون الفعّالون، فهم من يهتمون بالأفعال أكثر من الأفكار والأقوال، ونستخدم صيغة المبالغة "الفعّالين" لوصفهم، لأنهم يتصرفون بالأفعال أكثر من الكلام، ويتحدثون بصوت مرتفع وبكلمات أسرع، ويمارسون الضغوط لكي يحصلوا على ما يريدون، ويحبون المخاطر ولا يهابون التحديات، ويحبون السيطرة والتحكم، ولا يقبلون الإذعان والطاعة، وينقسمون لنوعين: فعّالون إيجابيون وفعّالون سلبيون.

ونستطيع أن نُميِّز في الواقع العملي بين 4 أنماط من الموظفين؛ هم: الموظف المنعزل، والموظف التابع، والموظف المخطِّط، والموظف القائد.

وفيما يلي نستعرض سمات كل نمط من هذه الأنماط الأربعة:

  1. الموظف المنعزل: وهو من لا يفعل ولا يقول ولا يسأل، تجده صامتًا في الاجتماعات ولا يُنجز قدرًا ملحوظًا من العمل بما يكفي ليجعله محل تقدير أو تقريظ. إنه هادئ لدرجة قد لا ترى معها فرقًا بين وجوده وغيابه. وهذا النوع لن يُفصح لك عمّا يريد. وهو لا يستطيع أن يُنجز أعمالًا كثيرة، إلّا أنه يُفضِّل العمل بمعزلٍ عن الآخرين. وهو لا يتوافق معهم من ناحية، ولا يمكنه تحمّل أشكال المنافسة التي قد تنشأ خلال عمله مع فريق. ولا تتوقع الكثير من هذا النمط؛ فهو لن يُنجز ما تريده منه، ولن يعرف فيما أخطأ لتعمل على إصلاحه.
  2. الموظف التابع: وهو ذلك الموظف الذي يُنفِّذ كل ما تطلبه، لكنه يُنفِّذ دون تفكير، فتجده نشيطًا ومتحركًا ولا يطرح الكثير من الأسئلة. يبدأ العمل قبل أن يفهم طبيعة المهمة جيدًا. وهو لا يصلح في الاستشارات أو المناقشات؛ لأنه غالبًا ما يدلي بآراء غير مدروسة. ويجب إخباره بما عليه عمله دون أن تأخذ رأيه في طريقة العمل. ومع هذا النوع من المتخصصين حدِّد ما تريده منه بدقة، وتابعه في كل خطواته وتحركاته، وإلّا انحرف بالمهمة إلى ما هو غير متوقع؛ فهو يُقدِّر المتابعة، ولا يتذمر كثيرًا.
  3. الموظف المخطِّط: هو ذلك الموظف الذي يُصر على تخطيط المهام بشكل كامل قبل أن يبدأ فيها؛ فهو يستثمر جُلَّ وقته في التخطيط، ولا يبقى له وقت للتنفيذ. لا يصلح هذا النمط في المواقع التنفيذية، وإنما يصلح في الاستشارات وتخطيط العمل للآخرين وفي متابعتهم. وهو أفضل من يُدلي لك برأي استشاري. ولذا احرص على الرجوع إليه قبل تنفيذ أي خطوة. ولا تنتظر منه أن يفرغ من التخطيط؛ بل حرِّكه وحدد النقطة التي يجب بعدها أن تنطلق للعمل بدونه. ومن الأفضل أن تجمع بينه وبين المتخصص التابع في مهمة واحدة ليُكمِّلا بعضهما بعضًا.
  4. الموظف القائد: هو الموظف الذي يتمتع بالقدرة على الفعل والمبادرة، والقدرة على القول والتأثير في الآخرين. ويستطيع التخطيط والتنفيذ معًا. ومن الخطورة أن تتركه يستنفد طاقته وجهده في الوظيفتين؛ بل يجب عليك كقائد أن تحافظ على جهد هذا النمط للمهام الأساسية دون أن تضعفه وتستنزفه بالانخراط في المهام الهامشية. وعليك أن تعلِّمه مهارة التفويض للآخرين، كي تستفيد منه أقصى استفادة ممكنة.

وفي الختام.. إذا أردت أن تصبح مديرًا جديرًا، فعليك "أن تستثمر في مواطن قوتك وقوة موظفيك، وأن تحيط نفسك بالموظفين المتميزين، وأن تتفهم احتياجات تابعيك، وأن تتوافق مع الأنماط المختلفة من الموظفين؛ سواء كانوا من نوعية الموظفين المنعزلين، أو التابعين، أو المخططين، أو القادة".

 

** أستاذ إدارة الأعمال بجامعتي القاهرة والبريمي، وخبير التطوير الشخصي والمؤسسي، ومستشار التمتين الإداري

الأكثر قراءة

z