سياحة؟ نحن لها!

 

 

 

مدرين المكتومية

 

بينما أنتقل بالقطار من مدينة ميونخ متوجهةً إلى برلين، تلفت انتباهي الطبيعة الساحرة في جمهورية ألمانيا الاتحادية، ذلك البساط الأخضر الذي يندمج مع بعض المنازل الريفية بأصالتها، والمبنية على الطراز المعماري الأوروبي، ليُذكِّرني المشهد بجمال الطبيعة الساحرة في عُماننا الحبيبة، ولا سيما مواقع مثل ظفار في خريفها الآسر؛ حيث تكسو الخضرة كل شيء من حولنا.

في كل مرةٍ أذهب فيها إلى دولة أخرى حول العالم، شرقًا أو غربًا، يُبهرني ذلك التنسيق الحضاري، وتلك المواقع النابضة بالجمال الطبيعي، لكني أقول في قرارة نفسي: "لدينا مثلها في عُمان".. نعم، لدينا جميع المقومات السياحية التي تجعلنا في صدارة الدول السياحية في المنطقة، فالبساط الأخضر الذي نراه في أوروبا وتلك الغيوم التي لا تغيب أبدًا، وتظل تحجب الشمس لشهور طويلة، لدينا مثلها في عُمان. هذه المرتفعات الجبلية الشاهقة، وانخفاض درجات الحرارة لما دون الصفر، وتشكُّل الثلج على رؤوس الجبال، مثل ما نراه في جبال الألب في سويسرا أو فرنسا، لدينا مثلها في الجبل الأخضر وجبل شمس، حتى جبل سمحان في ذروة موسم الخريف، عندما تصعد إلى قمته تجد نفسك بين الغيوم، وقد احتضنتك السحب وعانقتك الغيمات، وداعبت حواسك قطرات الماء المتساقطة.

وإذا ما ذهبنا إلى مدن ساحلية أوروبية على البحر المتوسط أو عربية على البحر الأحمر أو آسيوية أو حتى المالديف على المحيط الهندي، وكذلك الدول المُطلة على المحيط الهادئ، تُبهرنا المياه الزرقاء ونستمتع بنسيم البحر، ونسعد كثيرًا بالرمال الذهبية اللامعة أو تلك البيضاء المتلألئة، وربما البعض منا يدفع الكثير من المال ليقضي ليلة أو ليلتين على أحد هذه الشواطئ، في حين أن لدينا في وطننا الحبيب كل هذه الشواطئ، فما أجمل شواطئ مسندم ورحلات الغوص ومشاهدة الدلافين، وربما اللعب معها. وما أمتع مياه البحر في مسقط، في مطرح التاريخية أو منطقة القرم الساحرة أو العذيبة التي تضج بالحركة أو الحيل بكورنيشها الرومانسي. وإذا ما توجهنا إلى الشرقية جنوبًا؛ حيث أمواج البحر المرتفعة في الأشخرة وشواطئها الساحرة، ثم جمال الشواطئ في بر الحكمان في الوسطى، وشواطئ صلالة الخلّابة.

ألمانيا وسويسرا وفرنسا وإيطاليا وغيرها من الدول الأوروبية بالفعل تضم مدنًا ساحرة نابضة بالجمال، مُفعمة بالحيوية، لكن ولاياتنا ومحافظاتنا كذلك تزخر بالعديد من المقومات السياحية، وتضم بين أركانها عبق التاريخ في محاذاة جمال الطبيعة، فعُمان دولة عريقة، لها من الجذور التاريخية ما يعود إلى عصور ما قبل الميلاد بآلاف السنين، وقد صاغ الخالق -جلَّ في علاه- هذا الجمال الربّاني بإبداع سماوي لا مثيل له.

إذن، ما الذي ينقصنا حتى نكون في مصاف الدول المتقدمة سياحيًا؟!

الحقيقة لا ينقصنا كثيرًا من العمل، وإنما نحتاج إلى إرادة صلبة تُقرر أن يكون النشاط السياحي بالفعل أحد الأنشطة المؤثرة في المشهد الاقتصادي والتنموي، ترجمةً لما وضعته رؤية "عُمان 2040" من مستهدفات، وتكريسًا للمقومات الغنية التي تزخر بها بلادنا. نريد أن يكون القطاع السياحي هو القطاع الأكثر خلقًا للوظائف، فالمرشد السياحي والمترجم وموظف الاستقبال في الفندق والمحاسب والإداري في كل منشأة سياحية، وربان السفن السياحية والعاملون عليها، والطبّاخ والنادلون، وكل من له صلة بهذا القطاع يجب أن يكونوا عُمانيين، لا سيَّما وأنها وظائف تضمن دخلًا جيدًا وترقيًا وظيفيًا يدعم طموحات كل شاب.

يحتاج قطاعنا السياحي كذلك جرأة من المستثمرين العُمانيين، الذين يملكون من رؤوس الأموال ما يسمح لهم بإنشاء مشاريع سياحية واعدة جدًا، وهناك الكثير من الأمثلة على رجال أعمال وطنيين، ضخّوا ملايين الريالات لإنشاء فنادق ومؤسسات سياحية ومشروعات نوعية تخدم القطاع السياحي، والآن يجنون أرباح هذه المشاريع. لكن أيضًا، في المقابل، نريد من البنوك وشركات التمويل والجهات المعنية أن تعمل على تسهيل حصول رواد الأعمال والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة على حزم تمويل جيدة، تُتيح لهم البدء في مشاريع سياحية، مع خطة سداد مريحة تساعدهم على تحقيق الأرباح واستدامة المشروع.

إنَّ ما يجري من حولنا من تطورات ومتغيرات، سواء اقتصادية أو جيوسياسية، يفرض علينا أن نُسرّع الخطى نحو التنويع الاقتصادي، والانفتاح على العالم، وطرح نموذجنا العُماني التنموي والاقتصادي أمام الجميع، وأن يكون شعارنا "عُمان جميلة" بأبنائها وطبيعتها ومواردها، وأن تكون شواطئ عُمان وجبالها ووديانها ومنتجعاتها وفنادقها الوجهة الأولى، ليس فقط في المنطقة، ولكن في العالم بأسره.. وما ذلك ببعيد عن أصحاب الإرادة والعزيمة، ونحن العُمانيون أهلٌ لها.

الأكثر قراءة

z