بَعْل إله الرأسمالية

 

 

 

الطليعة الشحرية

في قلب الخطاب السياسي الحديث، تتكرّر فكرة "الحكومة الخفية" بوصفها محاولة لفهم ما يبدو عصيًا على التفسير؛ كيف تُتخذ قرارات كبرى لا تعكس إرادة الشعوب، وكيف تستمر سياسات بعينها رغم تغيّر الوجوه والأنظمة. غير أن هذه الفكرة لا تُطرح هنا كادعاء بوجود سلطة سرية موحّدة تدير العالم، بل كأداة تحليل تشير إلى طبقات غير مرئية من النفوذ تعمل داخل المؤسسات ومن خلالها، وتعيد توجيهها دون أن تظهر بوصفها سلطة مباشرة.

ليست "الحكومة الخفية" كيانًا مغلقًا أو غرفة تُدار منها العوالم، بل بنية مركبة: شبكة من المصالح الاقتصادية، والمؤسسات المالية، ومراكز التفكير، والعلاقات العابرة للحدود، التي تمتلك القدرة على التأثير دون الحاجة إلى الإعلان.

هنا لا يُلغى دور الدولة، بل يُعاد تعريفه؛ تتحول من فاعل مستقل إلى عقدة ضمن منظومة أوسع، تتقاطع فيها السلطة السياسية مع رأس المال والمعرفة والخطاب. ومن داخل هذه البنية، لا تُمارَس السلطة فقط عبر القرارات المباشرة، بل عبر تحديد ما يمكن التفكير فيه أصلًا، وما يُقدَّم بوصفه "ضرورة" بدل كونه خيارًا سياسيًا قابلًا للنقاش.

في هذا السياق، يتراجع التفسير القائم على "المؤامرة" لصالح تحليل أكثر تركيبًا؛ فالسلطة لا تعمل كيد واحدة خفية، بل كبنية تتوزع فيها القدرة على التأثير عبر مستويات متعددة. وما يُقدَّم بوصفه "قانونًا للسوق" أو "ضرورة اقتصادية" قد يكون في جوهره اختيارًا سياسيًا جرى تجريده من طابعه الجدلي، وإلباسه ثوب الحتمية. وهنا تكمن خطورة الفكرة، ليس في وجود قوة خفية بالمعنى الساذج، بل في تحوّل بعض مجالات الحياة إلى ما يشبه المقدّس الذي لا يُسأل.

ومن هذا المنظور، تصبح "الحكومة الخفية" اسمًا نقديًا لحالة اختلال في توزيع القوة، حين تتراكم القدرة على التأثير في يد شبكات لا تخضع للمساءلة المباشرة، بينما تُترك المجتمعات للتعامل مع نتائج قرارات لم تشارك في صياغتها. والسؤال الحقيقي لا يعود؛ هل توجد حكومة خفية؟ بل، كيف تعمل آليات النفوذ، ومن يملك القدرة على تعريف الواقع قبل أن يبدأ النقاش حوله؟

ولفهم هذه البنية بعمق أكبر، لا يكفي تحليلها في صورتها الحديثة، بل لا بد من العودة إلى نموذجها الرمزي الأول؛ حيث تبرز أسطورة "بعل" لا كحكاية دينية عن المطر والرعد، بل كنموذج مبكّر لكيف تُدار الحياة عبر التحكم في شروطها الأساسية.

فـ"بعل" في دلالته السامية هو "السيد/المالك"، أي أن الاسم نفسه يحمل معنى السيادة قبل أن يكون اسم إله. وسيطرته على المطر لم تكن تفصيلًا طبيعيًا، بل سلطة على البقاء ذاته؛ فحين يكون الخبز رهينة الغيم، يتحول المطر إلى سياسة.

في أرشيف أوغاريت، تُروى أسطورة "بعل" في سياق يكشف عن بنية حكم كاملة، صراع على السيادة، ثم تثبيت للسلطة عبر بناء القصر، الذي لا يظهر كعنصر معماري فحسب، بل كوثيقة شرعية، كما يُثبِّت الدستور سلطة الدولة الحديثة. وترتبط هذه السيادة ببنية طقسية متكاملة؛ حيث تُدار العلاقة بين الجماعة والمقدّس عبر القرابين والمواسم، ما يجعل "القربان" مؤسسة اجتماعية لإدارة الخوف والمخاطرة، لا مجرد طقس ديني.

ومن هنا، يمكن الانتقال من الأسطورة إلى المفهوم؛ فـ"العبادة" ليست اعتقادًا ذهنيًا فقط، بل تقنية اجتماعية لإنتاج الطاعة عبر إدارة الندرة. الخوف يُصاغ طقسًا، والطقس يُنتج امتثالًا، والامتثال يُعيد ترتيب السلطة داخل الجماعة. وتعمل هذه التقنية عبر ثلاث آليات مترابطة: القربان (دفع مسبق لتأمين المستقبل)، والرعب (إعادة إنتاج الخوف من فقدان شروط الحياة)، والقداسة (نزع موضوع ما من مجال النقاش بوصفه "فوق السياسة").

هذه الآليات لا تختفي في العصر الحديث، بل تتحول وتُعاد صياغتها، فعندما ترتقي "السوق" إلى مرتبة المرجعية النهائية، يتحول السعر إلى ما يشبه القضاء الكوني، وتُقدَّم السياسات الاقتصادية بوصفها قوانين طبيعية لا اختيارات بشرية. وهنا يكتسب تحليل كارل ماركس حول "فتشيّة السلعة" أهميته، حيث تُنسب قوة العلاقات الاجتماعية إلى الأشياء المنتَجة، فتبدو السلع كأن لها حياة مستقلة، بينما تتوارى علاقات العمل والهيمنة خلفها. كما يوضح كارل بولانيي أن تحويل العمل والأرض إلى سلع لا يؤدي فقط إلى توسيع السوق، بل إلى اقتلاع النسيج الاجتماعي نفسه، لأن ما يُباع هنا هو شروط الحياة لا مجرد منتجات.

ضمن هذا النسق، لا تعود الرأسمالية مجرد نظام اقتصادي، بل تتحول في صورتها المتطرفة إلى بنية استحواذ، حيث يبتلع معيار الربح كل معيار آخر. أولى آلياتها تسليع العمل، حيث يُختزل الإنسان إلى مورد إنتاجي قابل للاستهلاك والاستبدال. وثانيتها تسليع الطبيعة، حيث يتحول المجال الحيوي إلى أصل مالي. وثالثتها تصدير الخسائر، حيث تُحمَّل كلفة الربح إلى أطراف لا تملك القدرة على الاعتراض. تظهر هذه البنية في أشكال ملموسة، العمل الهش، البطالة البنيوية، الأزمات الاقتصادية التي تُحمَّل كلفتها للفئات الأضعف، وتراكم الثروة في يد أقلية تملك تأثيرًا يتجاوز تمثيلها.

وهنا تعود ملامح "بعل" بشكل استعاري واضح؛ فـ"القربان" لم يعد طقسًا دينيًا، بل أعمارًا تُستنزف داخل نظام غير مستقر.

و"الرعب" لم يعد خوفًا من الجفاف، بل خوفًا دائمًا من السقوط الاقتصادي؛ و"القداسة" لم تعد مرتبطة بالمعبد، بل بسوق يُقدَّم كحقيقة نهائية لا تُمس، لم يتغير المنطق، بل تغيرت أدواته.

غير أن أخطر ما في هذه البنية لا يكمن فقط في قدرتها على التحكم في الوفرة والندرة، بل في قدرتها على إدارة الفوضى نفسها. فالأزمات، والتوترات، وحتى الصراعات، لا تُفهم دائمًا كاختلالات عارضة، بل كجزء من ديناميات نظام يعيد إنتاج نفسه عبرها. وليس ذلك بوصفه مؤامرة موحّدة، بل كبنية تتقاطع فيها مصالح متعددة، حيث تصبح الفوضى أداة لإعادة ترتيب موازين القوة وتثبيت أشكال جديدة من السيطرة.

في مواجهة ذلك، لا يكون السؤال كيف نُسقط النظام، بل كيف نُعيده إلى حجمه الحقيقي. المشكلة ليست في وجود السوق، بل في تحوّله إلى ما يشبه المقدّس الذي لا يُسأل.

ومن هنا تبدأ المقاومة بالمعنى المدني لا الطقسي بنزع هذه القداسة، وإعادة السوق إلى مجال السياسة؛ أي إلى النقاش، والاختيار، والمساءلة. وهذا يقتضي بناء مؤسسات حماية اجتماعية لا بوصفها إحسانًا، بل كحدود سيادية تمنع تحويل الإنسان إلى مجرد أداة، وتحد من تركز الثروة، وتعيد التوازن بين القوة الاقتصادية والإرادة العامة.

في النهاية، ليست المعركة بين اقتصادٍ وآخر فحسب، بل بين تصورين للقيمة؛ قيمة ترى الإنسان غاية، وقيمة تختزله إلى رقم، وكل ما يُقدَّم بوصفه قدرًا؛ هو في الحقيقة قرار لم يُناقَش بعد.

الأكثر قراءة

z