د. محمد بن عوض المشيخي **
الحروب والقتل وإرهاب الشعوب هي صناعة أمريكية بامتياز عبر التاريخ، بدايةً من إبادة السكان الأصليين من الهنود الحمر في وطنهم الأم أمريكا الشمالية؛ مرورًا بأفغانستان والعراق وفيتنام، وصولًا إلى الحرب الحالية التي فرضها على الجميع واحد من عُتاة الإجرام ومصاصي الدماء في العصر الحديث؛ وهو بنيامين نتنياهو رئيس وزراء الكيان الصهيوني الغاصب الجاثم على أرض فلسطين؛ إذ أصبح الإقليم بالكامل ساحةً ومسرحًا للمعارك، والأسوأ من ذلك كله هو ما يتباهى به مجرم الإبادة الجماعية في غزة اليوم بزعمه انضمام حلفاء جُدد من عرب الخليج الذين يقولون إنهم أصبحوا شركاء له في هذا العدوان، على الرغم من إجماع حكماء الأمة على شيء واحد، وهو تجنب مشاركة العرب في هذا الصراع الذي دمَّر الأخضر واليابس والبشر والحجر في المنطقة.
ولماذا النأي بالنفس عن تلك الأعمال العدائية؟ لأنها باختصار ليست حربنا؛ بل هي حرب أعداء الأمة؛ قد يقول قائل إن إيران استهدفت الدول العربية المُسالِمة على الضفة الأخرى للخليج العربي منذ أول يوم للحرب، ولم يكتفِ الحرس الثوري الإيراني باستهداف القواعد الأمريكية في تلك الدول؛ بل امتدت الصواريخ البالستية والطائرات المُسيَّرة إلى تدمير المطارات والموانئ ومنشآت النفط والغاز وخزاناتها في كل دول المنطقة؛ فالسماء تُمطر على الجيران قذائف وطائرات انقضاضية مُحمَّلة بالمتفجِّرات القاتلة على المرافق المدنية التي تُصنِّف تلك الأعمال بأنها أخطاء قاتلة وغير موفقة بكل المقاييس.
لقد قُلناها بصراحة منذ البداية وقدمنا نصيحةً صادقةً للجيران على الضفة الشرقية بأن عليهم التركيز على الكيان الصهيوني والجيش الأمريكي، وليس بفتح جبهة جديدة مع دول المنطقة التي كانت في واقع الأمر تعمل بجهود مضاعفة لوقف الحرب، وعلى وجه الخصوص سلطنة عُمان والسعودية ودولة قطر، وكان يُفترض من إيران أن تُوجِّه البوصلة تجاه أعداء الأمة الإسلامية (ترامب ونتنياهو)، وتحتفظ بتلك الترسانات التي وُزِّعت على الجميع، لكي تكون رافدًا لها في حالة استمرارية الصراع الدموي الذي قد يصل مداه لسنوات وليس شهورًا حسب المؤشرات الحالية، خاصةً بعد نجاح إيران في امتصاص الضربات الأمريكية والإسرائيلية، وكذلك تمكنها من خلق توازن ومعادلة ردع لإسرائيل التي أصبحت تئن بسبب الصواريخ ذات الرؤوس العنقودية التي وصلت إلى كل مفاصل فلسطين المحتلة، وكذلك نجاحها في الاحتفاظ بما يُعرف بـ"الورقة الذهبية" المتمثلة بمضيق هرمز، وسط خوف وهلع الجيش الأمريكي من مرافقة السفن أو حتى محاولة السيطرة على المضيق من خلال الإنزال وخوض معركة مصيرية مع المرابطين من الجانب الإيراني (الشمالي) لهرمز، والسبب في ذلك التردد هو الخوف أن يتحول هرمز الذي كان مفتوحًا أمام الملاحة الدولية قبل الحرب إلى فيتنام ترامب في إيران، ويكون المضيق مقبرةً للجنود هناك.
السؤال المطروح الآن: من يدفع فاتورة حرب ترامب العبثية؟
لقد دفعت الحسابات الخاطئة للقيادة الأمريكية -التي هي في الأساس خاضعة لإملاءات نتنياهو- إلى تكبُّد خسائر مالية تُقدَّر بنحو مليار دولار يوميًا، حسب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، فضلًا عن خسائر إسرائيل التي تُقدَّر بـ4 مليارات دولار أسبوعيًا، والأهم من ذلك كله جرت العادة أن تستجدي أمريكا وتطالب غيرها بدفع فواتير حروبها الباهظة كما حصل في حرب تحرير الكويت، وبالفعل هناك تسريبات غير مؤكدة خلال الأسابيع الأولى للحرب بأن الرئيس ترامب طلب من دول خليجية دفع 5 تريليونات دولار أمريكي مقابل تدمير القدرات العسكرية والنووية الإيرانية أو نصف هذا المبلغ لتوقيف الحرب.
وقد أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض بالفعل أن الرئيس سوف يدعو دولًا خليجية للمساهمة في فاتورة الحرب، ولكن الحقيقة أن دول الخليج لا تستطيع هذه المرة أن تسهم في فواتير هذه الحرب التي أثرت على مقدرات هذه الدول من النفط والغاز؛ بل هي بالكاد تسعى لترميم مرافقها والبنى الأساسية التي تدمرت من إيران، ومن هنا طلب ترامب من الكونجرس تمويلًا إضافيًا بمئتي مليار دولار للحرب.
لقد حان الوقت أن تتوقف دول الخليج، ليس فقط عن تمويل حروب أمريكا القذرة؛ بل عليها أن تسحب أموالها من السندات الأمريكية وبنوكها وشركاتها وتتوجه شرقًا نحو الصين وكوريا الجنوبية واليابان، هذه الدول الواعدة التي -في اعتقادي- تُعد ملاذًا آمنًا في حالة إفلاس واشنطن؛ كنتيجة متوقعة للديون التي تجاوزت 38 تريليونًا بسبب حروب أمريكا التي لا تنتهي، فالتعامل مع أمريكا كالذي يتعامل مع الفحم؛ لا يجني إلا سواد الوجه واليدين.
** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري
