سالم بن نجيم البادي
لا حديث يعلو فوق حديث الحرب هذه الأيام؛ فقد أصبح الجميع يحلّلون ويتناقلون أخبارها، إنها حرب مجنونة وغريبة وعبثية وغير قانونية؛ بل حرب غير مشروعة وأهدافها ضبابية؛ فتارة يُقال إن الهدف هو القضاء على البرنامج النووي الإيراني، وتارة القضاء على النظام الإيراني برمّته، ومرة أخرى فتح مضيق هرمز، وأخيرًا إرجاع إيران إلى العصور الحجرية.. وهذا تهديد همجي غير حضاري.
إن أسباب هذه الحرب غير منطقية ولا يمكن تبريرها؛ فإيران لم تقم بغزو إسرائيل ولا الولايات المتحدة، ولم تشكّل خطرًا داهمًا على أمريكا ولا تهديدًا وشيكًا على إسرائيل، لكن إيران أخطأت أيضًا وضلّت الطريق حينما أشركت دول الخليج في هذه الحرب المجنونة، وشنت هجمات غادرة حتى على شبكات توزيع الكهرباء ومحطات تحلية المياه، وضربت منشآت إنتاج النفط والغاز، وألحقت الضرر بالاقتصاد، وقتلت أناسًا أبرياء وروّعت السكان في هذه الدول، وهم لا ناقة لهم ولا جمل في هذه الحرب.
وكان الأجدر بإيران أن توجه كافة إمكاناتها القتالية ضد الأعداء الذين شنّوا الحرب عليها، ولا شيء يبرر عدوانها على دول الخليج العربية حتى وإن زعمت أن الهجمات ضدها تنطلق من هذه الدول؛ إذ كان بإمكانها وهي تدّعي امتلاك قوة هائلة أن تتصدى لهذه الهجمات في سمائها قبل أن تصل إليها.
ثم ما ذنب الناس في لبنان حتى تطالهم نيران هذه الحرب الوحشية، وهم الذين كانوا يعانون ضائقة اقتصادية خانقة؟ وكان من الممكن تمامًا تجنّب هذه الحرب، وكان يمكن للرجل البرتقالي ألا يخضع للرجل النتن؛ والنتن، كما يُقال في لهجتنا، هو "الخايس"، أي ذو الرائحة الكريهة، وقد تُطلق على صاحب الأخلاق والتصرفات السيئة، وهو إرهابي ومجرم، وهذا لا يعني أن الرجل البرتقالي أفضل منه؛ فهو مغرور ومكابر ومصاب بجنون العظمة وتضخم الذات ومتقلب المزاج وفاسد بطريقة أو بأخرى، وتشهد على ذلك ملفات سيئ الذكر "إبستين"، وألطف وصف يمكن أن يُطلق عليه أنه غير مهذب؛ فانظر كيف يعامل الملوك والرؤساء والصحفيين والناس من حوله، وقد أصبح مادة خصبة للسخرية في وسائل التواصل الاجتماعي، وتُنتج عنه مقاطع بتقنيات الذكاء الاصطناعي تحاكي حركاته غير المتزنة.
لقد أثارت هذه الحرب المجنونة انقسامًا واسعًا بين الناس، وجدلًا لم يسبق له مثيل، واتهامات متبادلة بالعمالة أو التحيّز أو الحياد السلبي، ولم يقتصر ذلك على الأفراد، بل امتد إلى بعض الدول والشعوب، كما تتداول أخبار مفبركة وأخرى مبالغ فيها وغير دقيقة تنتشر على نطاق واسع وكأنها حقائق.
ونتائج هذه الحرب كارثية على أسعار الوقود والشحن، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتكاليف المعيشة، خاصة على بسطاء الناس حول العالم.
وضحيّ منشغل على الدوام بهذه الحرب؛ فقد أدمن متابعة أخبارها، في البيت يظل محدقًا في شاشة التلفاز ولا يكاد يفارقها، حتى إنه يستيقظ ليلًا ليتابع آخر المستجدات، ثم يتصفح مواقع التواصل الاجتماعي ليرى ما يتناقله الناس عنها وينام على أخبارها، ويتابع القنوات عبر تطبيق "يوتيوب"، وحتى أثناء قيادته سيارته يستمع إلى نشرات الأخبار من المذياع.
وهو يعتقد أن كثيرين غيره يفعلون ذلك، وقد قالت له امرأة حكيمة من أهله، عندما رأت شغفه بمتابعة الأخبار: "لا تُتعب قلبك، ولا تُرهق نفسك؛ فأنت لا تملك شيئًا لتفعله لوقف الحرب، فقط ادعُ الله أن ينصر المظلوم على الظالم".
وضحي -كما يقول دائمًا- يشغله وجع الناس الأبرياء الذين يدفعون ثمن هذه الحرب من أرواحهم وأرواح أحبّتهم وأموالهم، ومن استقرارهم وأمنهم وسلامهم ومستقبلهم.
وفي الوقت ذاته، ظل سؤال يؤرق ذهنه: ألا يوجد في هذا العالم من يردع الرجل البرتقالي وصاحبه الرجل النتن؟!
