زمن "الرويبضة"

 

 

سالم البادي (أبومعن)

عندما تصبح "التفاهة" والفساد بوصلة العالم يستحضر الكثيرون اليوم نبوءة النبي ﷺ عن "السنوات الخداعات"، حين ينظرون إلى واقع الأمتين العربية والإسلامية والعالم أجمع.

نعيش في حقبة لم تعد فيها الكفاءة أو النزاهة شرطاً للصدارة، بل أصبح "الرويبضة" وهو الشخص التافه الذي يتحدث في أمر العامة هو بطل المشهد، سواء كان مشهوراً خلف شاشة، أو زعيماً خلف مكتب سيادي.

ولقد تحولت منصات التواصل إلى منابر لتعويم التفاهة؛ حيث يتصدر من لا يملك أهليّة علمية أو التحليل.  لكن هذا الانحدار صعد إلى هرم السلطة العالمية؛ فنحن نرى دونالد ترامب يحكم أقوى دولة رغم سجله الحافل بالقضايا الجنائية، والاتهامات الأخلاقية التي تطال التحرش بالقصر وارتباط اسمه بملفات مشبوهة مثل "إبستين".  إنه تجسيد لزمن يُقدم فيه "الاستعراض" على "المبادئ والقيم".

إن تولي هؤلاء "الرويبضة" مسؤولية قيادة العالم أدى إلى زعزعة الأمن العالمي بشكل غير مسبوق. فبدلاً من الحكمة، نرى قرارات متهورة أشعلت النزاعات، مما أدى إلى ضرب الاقتصاد العالمي، ونتج عنه شح في السلع والضروريات، ونقص إمدادات الطاقة.

لقد تحول العالم في ظل قيادتهم إلى غابة يغيب فيها العقل ويحضر العبث بمصائر البشر.

ويبرز بنيامين نتنياهو كنموذج صارخ لهذا الخلل؛ فهو مجرم حرب مطلوب للمحاكم الدولية، ومع ذلك لا يزال تخبط وعاث في الأرض فسادا وبالغ في ظلمه وتكبره وكفره وغطرسته وإجرامه اللامحدود، فلا بشر ولا شجر ولا حجر سلم من بطشه وجبروته وطغيانه،

هذا "التأليه" للقوة على حساب العدالة هو جوهر "السنوات الخداعات" التي يُؤتمن فيها الخائن ويُصدق فيها الكاذب، ولا يحاسب فيها المجرم بل تفرض له حصانة وحماية دولية.

إن إيقاف الانهيار العالمي يتطلب أيضاً تحركاً من الداخل الأمريكي؛ حيث يجب على الحكماء في مجلس الكونجرس الأمريكي تحمل مسؤوليتهم في إيقاف الرئيس ترامب أو خلعه ومحاكمته على سوابقه.  فبدون محاكمات عادلة وخلع لمن يثبت فسادهم، سيبقى العالم رهينة لنزوات أشخاص جعلوا من التفاهة والإجرام وسيلة للوصول للحكم وتحقيق مآربهم الدنيئة.

ولإيقاف هذا التمدد "للرويبضة" في مفاصل القرار ومنع انزلاق العالم نحو حروب أوسع وأطول، نحتاج إلى استراتيجية تجمع بين الوعي الشعبي والضغط المؤسسي، وإليكم بعض الحلول:

1. تفعيل سلاح "الوعي الانتقائي" (محاصرة التفاهة): فإذا توقفت الشعوب عن جعل التافهين والمحرضين "مشاهير السوشيال ميديا"، ستنحسر قدرتهم على التأثير في الرأي العام. يجب دعم المنصات الفكرية والعلمية الرصينة لتكون هي المرجعية البديلة.

 

2. إصلاح منظمة الأمم المتحدة والمحاكم الدولية: الحل يكمن في إلغاء نظام الفيتو أو تقييده في حالات جرائم الحرب، وتفعيل مذكرات الاعتقال الدولية (مثل حالة المجرم نتنياهو وقادة جيشه) لضمان أن "المجرم" لا يمكنه ممارسة السياسة كبطل، بل كمطارد هارب من العدالة.

3. تعزيز "دبلوماسية الشعوب" والضغط الاقتصادي: الحروب تقتات على المال، والشعوب تملك قوة المقاطعة الاقتصادية والاحتجاجات السلمية المنظمة للضغط على الحكومات التي تمول الصراعات أو تطيل أمدها.

4.تمكين مبدأ "التخصص" في إدارة الأزمات: الحل في وجود مجالس أو برلمانيات  تضم حكماء وعلماء وخبراء يتمتعون بصلاحيات مستقلة تمنع السياسي من المقامرة بلقمة عيش الناس ومستقبل طاقتهم من أجل مكاسب انتخابية او التمسك بكراسي السلطة والحكم.

5. تحصين الجبهة الداخلية (التعليم والقيم): الشاب الذي يمتلك عقلاً ناقداً لن يتبع رويبضة يدفعه نحو التطرف أو التفاهة، وبذلك نغلق المنبع الذي يغذي هذه النماذج بالأنصار.

6. تجريم "خطاب التحريض" قانونياً: يجب سن قوانين دولية ومحلية صارمة تعاقب كل من يستخدم منصات العامة للتحريض على الحروب أو الكراهية، أو الطائفية أو فتاوي التكفيرية، واعتبار "التفاهة الممنهجة" التي تضر بمصالح الأمة العليا جريمة تستوجب العزل السياسي.

إن خروج الأمة من هذا النفق يبدأ بضرب رؤوس الفساد وتوحيد الصف والكلمة الاسلامية والعربية والخليجية.. إنها معركة وعي وسيادة، لإعادة الاعتبار للقيم والمبادئ في عالم يغرق في بحار "الرويبضة".

الأكثر قراءة

z