منذ عقود وأمريكا لم تحسم حربا

 

 

د. أحمد بن علي العمري

الولايات المتحدة الأمريكية الدولة العظمى والأكثر قوة عالميا لم تكسب حربا دخلتها منذ الحرب العالمية الثانية، والتي بسببها تنصبت على العالم كقوة عظمى. قد يقول قائل إنها انتصرت في حرب الخليج الأولى وأخرجت العراق من الكويت، فنقول له نعم، ولكنها كانت مع تحالف دولي ولم تكن وحدها وبأموال خليجية.

والآن تنجر على خطى نتنياهو في حرب لها أول ولا يعلم تاليها إلا الله، لتقحم المنطقة برمتها في حرب متشابكة متلاطمة اختلط فيها الحابل بالنابل.

الرئيس ترامب الذي يقول إنه أوقف 8 حروب فكيف به يبدأ حربا جديدة ربما لم تكن من أولوياته وضرورياته. وإننا في منطقتنا نتوهم كل شيء، حتى لو كان نمرا من ورق، فإسرائيل حاربت غزة لعامين ونصف العام ولم تقض على حماس، وحاربت حزب الله في عدة حروب ولم تنتصر عليه، ولايزال شوكة جارحة في حلقها، وهو حالا شبيه إلى حد ما بالحالة الأمريكية، ولم تفلح إسرائيل إلا في الاغتيالات، وكذلك أمريكا لم تفلح إلا في الضربات الخاطفة أو الاختطافات كما حصل في فنزويلا، وكلا النجاحين في الحالتين يعزى إلى نظام زرع الجواسيس لمرتزقة باعوا أوطانهم بما قل وذل.

أما إيران فإنها بلد تاريخي ذو مساحة شاسعة تزيد على المليون وسبعمائة ألف من الكيلو مترات المربعة، بالإضافة إلى اعتمادها على نفسها في كل شيء فهي محاصرة منذ 47 عام ولّم تتأثر بذلك، لأن شعبها يصنع بنفسه غذاؤه ودواؤه وسلاحه.

لذا رأينا تلعثم التحالف الأمريكي الإسرائيلي الذي وضع سقفا عاليا جدا للأهداف، فبعد إسقاط النظام وتدمير الصواريخ الباليستية ومنع النووي، ها هم يبلبلون حول نصر مزعوم، حتى التصريحات السياسية مبالغ فيها والخطابات يتناقض أوسطها مع أولها وآخرها مع أوسطها.

وحينا يهدد ترامب بضرب منشآت الطاقة، فترد ايران بالمثل فيعطي مهلة 48 ساعة، بعدها تتحول إلى 5 أيام ثم 10 أيام، في ارتباك مكشوف، ثم يدعون أن البحرية الإيرانية تم القضاء عليها بالكامل، فإذا كان الأمر كذلك فلماذا لا تعبر سفنهم مضيق هرمز.

وأخيرا يعلنون أن ترامب يدرس إرسال 10 آلاف جندي بالإضافة للآلاف المتواجدين أصلا في المنطقة، وتبحر حاملة الجنود من بحر اليابان باتجاه المنطقة، فماذا يفعل هؤلاء أمام مليون جندي بعزتهم وعتادهم ينتظرونهم ليدافعوا عن بلادهم بعقيدة أقوى من صلب الحديد، وفي 40 جزيرة مختلفة وإن كان ينظرون إلى 8 جزر منها وتحديدا جزيرة خارك، وربنا يعلم ماذا حصل لحاملتي الطائرات السابقتين فإذا بهم يعلنون إرسال الحاملة جورج بوش لأن التعتيم الأمريكي والإسرائيلي في أعلى درجاته ومستوياته.

ولنقرا في بعض التحليلات الجيوسياسية في التاريخ العسكري الأمريكي فسنجد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية الآتي:

1) الحرب الكورية (1950-1953) التي انتهت بالتعادل الواقعي واستمرار تقسيم شبه الجزيرة. 2) حرب فيتنام (1955-1975) انتهت بالانسحاب الأمريكي وسقوط سايجون. 3) حرب أفغانستان (2003-2021) انتهت بالانسحاب وعودة حركة طالبان للسلطة. 4) حرب العراق (2003-2011) أطاحت بنظام صدام حسين لكنها أدت إلى سنوات من الفوضى والصراع الطائفي وحل الجيش العراقي وهو أقدم جيش عربي، وقد كانت مبنية على كذبة النووي العراقي وما أشبه اليوم بالبارحة وكأنما ذات السيناريو يتكرر الآن في إيران، وقد انسحبت القوات الأمريكية في الأخير وسلمت العراق لتحالفات داخلية وخارجية متذبذبة.

ولكن وللحقيقة هناك عمليات عسكرية محدودة جداً حققت بعض الأهداف التكتيكية مثل غزو غرينادا 1983 وبنما 1989، وهذا يعني صعوبة تحقيق أهداف أو نصر عسكري عبر القوة العسكرية وحدها ما بعد الحرب الباردة خاصة في صراعات العصابات والتمرد طويل الأمد، كما أن مفهوم الانتصار أصبح غامضاً في الحروب غير المتماثلة.

ولنا أن نتأمل في وهن العالم أجمع وضعفه مهما علت الرقاب البشرية، فالإغلاق الجزئي لتصدير النفط في مضيق هرمز والذي يمثل 20 بالمئة فقط بالنسبة للعالم جعل أسعار النفط ترتفع بشكل جنوني، وبالتالي أسعار الوقود تزداد بمعدلات غير مسبوقة، ورأينا طوابير السيارات أمام محطات الوقود في جميع أنحاء العالم على الرغم من وجود المخزون الاحتياطي كما يدعون، مع العلم أن الحرب لم تكمل شهرها الأول.. لقد بدا العالم أوهن من خيوط العنكبوت فسبحانك ربنا ذي العزة والقوة الواحد الأحد الفرد الصمد.

حفظ الله منطقتنا وشعوبها من كل سوء ومكروه.

الأكثر قراءة

z