هل ممكن أن نرى وطنًا عربيًا متوافقًا؟!

 

 

د. أحمد بن علي العمري

 

يا أمة محمد يا خير أمة أخرجت للنَّاس.. أيها الناطقون بلغة أهل الجنة ماذا حلَّ بكم؟! ولماذا هذا الهوان والضعف والتبعية للغير بدون فهم أو تركيز؟ ولماذا لا تلتئموا وتتوحدوا وتلملموا جراحكم وتتداركوا ما فاتكم؟!

الأسبوع الماضي كتبت في جريدة الرؤية مقالاً بعنوان "دول الخليج محمية بقدرة ربها وقوة اقتصادها" ودول الخليج جزء مهم جدا وفعال من المنظومة العربية الشاملة وهي فعلا كذلك؛ بل إنّ التلاحم الخليجي أفضل بكثير من التوافق أو حتى التنسيق العربي. وها أنا أحاول في هذا الأسبوع التوسع للأفق العربي لعلي أجد الآذان الصاغية والعقول المتفهمة والمستنيرة والحكيمة ومن يلبي صوت "وا معتصماه" قبل أن يندثر ويمحوه غبار الزمن ومن يفهم ويدرك ما يكتب ما بين السطور وكما يقولون "اللبيبُ بالإشارة يفهمُ".

لقد تبعثرت الأمة العربية وتشتت بلا توحد ولا تفاهم ولا انسجام لقد كانت مصر هي التي تتولى الزعامة العربية بكل حكمة واقتدار، لكن بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد اضطرت أن تلتزم بها؛ حيث إنها مجبرة ربما بسبب التخاذل العربي المستمر عنها في حروبها المتكررة مع الكيان الصهيوني ولربما كسبت بهذه المعاهدة استرجاع أراضيها المغتصبة في سيناء، وإن كانت بشروط صعبة، وكذلك المملكة الأردنية الهاشمية بعد توقيع معاهدة العقبة.

وإذا كانت كل من مصر والأردن اضطرّتا للتطبيع مع الكيان الصهيوني، فلماذا تُطبِّع دول عربية وهي بعيدة جغرافيًا عن إسرائيل دون أي مقابل أو حتى تنازل من الجانب الصهيوني؟!

إننا لسنا ضد اليهودية كدين ولكننا ضد الصهيونية التي لا دين لها ولا مبدأ ولا قيم، ولماذا لا تلتزم هذه الدول على أقل تقدير بالمبادرة العربية المركونة على الرف من سنوات عديدة والتي استسهلتها إسرائيل بسبب تصرف بعض الدول العربية غير المحسوب وهرولتها إلى التطبيع المجاني بدون أي مقابل؛ بل إن هذا شجع إسرائيل إلى تجاهل الدولة الفلسطينية البكر وإنكار وجودها وقضم أراضيها بلا هوادة وبلا حول ولا قوة منها، حتى الرئيس أبو مازن الذي كان يظهر لنا في كل شاردة وواردة، لم يعد يظهر، والذي ردد في مرات عدة أنه قادر على إدارة غزة، لم يولَ حتى أمرها ولم يثقوا به، وهو الرجل الذي بدأ من أوسلو يقدم التنازلات المتتالية حتى وصل لمرحلة لم يعد لديه ما يقدمه من تنازلات.

إن هذا الهوان والضعف العربي شمل جامعة الدول العربية التي لم يبق منها سوى اسمها، وقد بدأت تغني على ليلاه وعلى الزمان الأندلسي الجميل؛ حيث شاخت وحتى أصيبت بالزهايمر. وحتى نحترم أنفسنا ويحترمنا العالم أجمع (فمثل ما تزن نفسك يوزنك الآخرون) لا بُد من الآتي:

1) تكوين تكتل اقتصادي قوي وتكاملي كبير من جميع الدول العربية؛ فلدى دول الخليج النفط والغاز والسماد وكذلك الحال لدى الجزائر والعراق وليبيا ولدى السودان السلة الغذائية والزراعية العالمية ولدى مصر والمغرب وتونس ولبنان وسوريا المآثر السياحية الخلابة والمتميزة والمثرية، ولدى اليمن التراث والتاريخ العريق ولدى الصومال وموريتانيا وجزر القمر الموروث ومقدراته؛ ففي حالة التكامل والتنظيم والتنسيق سوف تفرض هذه الأمة كيانا غير مسبوق يحترمه الجميع ويقدره ويحسب له ألف حساب.

2) قلنا في النقطة السابقة لا بُد من التنسيق لهذا التكامل وتنظيمه ولتنفيذ ذلك لا بُد من وجود جامعة عربية نشطة وفعّالة تقوم بهذا الدور، وحتى تحيا من مماتها فإني أقترح نقلها إلى الرياض في المملكة العربية السعودية (أسوة بالأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي) بحيث يتناوب الأمين العام بين الدول الأعضاء بالتساوي كل دوره مدتها 4 أعوام، كما أن موظفيها يكون بالتساوي بين الدول الأعضاء بحيث كل دولة ترشح أعضاءها لضمان الحيوية والنشاط وتجديد الدماء فيها.

3) على هذا المكون العربي أن تكون بقدرة الرحمن أن ينطلق إلى الفضاء الإسلامي الأوسع بحيث يكون هناك تكامل مع إندونيسيا وماليزيا وتركيا وباكستان وإيران وغيرهم من الدول الإسلامية في العالم.

وأخيرًا أرجو أن تفيقوني أيها القراء الكرام إن كنت في حلم اليقظة الجميل وأرجو ألا أكون كذلك وأن العرب ممكن يتفقوا يومًا ما. لكنني على يقين تام بأنه أمام الإصرار والعزيمة والصدق وإخلاص النوايا والجدية لا يوجد مستحيل ولنأخذ عبرة من دول الاتحاد الأوروبي وعددها 27 دولة بعد انسحاب بريطانيا وإن كانت لا تزال تدور في ذات الفلك هذه الدول لغاتها مختلفة ودياناتها ليست واحدة ومذاهبها متفرقة، لكنها توحدت وشكلت تكتلا قويا يتبع له حلف عسكري مُميز وبارز وهو الناتو، فلماذا لا نحذو حذوهم وما يجمعنا في الحقيقة أكثر بكثير مما يجمعهم… فاتفقوا يا عرب.

إننا في زمن تتكتل فيه الدول جغرافيًا وعقائديًا وإسرائيل تزيد في تنمرها يومًا بعد يوم ونتنياهو كل يوم يُعلن عن "الشرق الأوسط الجديد" وهذا خطر علينا جميعًا.

اتفقوا واتحدوا وربنا معكم، ولا تيأسوا من رحمة الله، وربنا قادر على كل شيء إذا صفت النوايا وجبرت الخواطر.

حفظ الله أمتنا وأعاد لها هيبتها وقوتها وبريقها.. إنه قريب مجيب الدعاء وإنه على كل شيء قدير.

الأكثر قراءة

z