ليس كل صعود نجاحًا.. حِينَ تَختَلِطُ القِمَمُ بِالهَاوِيَةِ

 

سعيد المالكي

 

في زمنٍ أصبح فيه بريق الشهرة أسرع من ضوء الحقيقة، لم يعد الصعود وحده دليلًا على النجاح. فكثيرٌ من القمم التي يُصفِّق لها الناس من بعيد، تُخفي تحتها طرقًا لم تُبنَ بالجهد وحده، بل بدفع أثمانٍ لا يراها الجمهور.

لقد أصبحنا في السنوات الأخيرة نرى نماذج كثيرة لما يُسمّى بالصعود السريع؛ ليس في عالم المال والأعمال فقط، ولا في دائرة الشهرة وحدها، بل حتى في بعض المناصب ومواقع النفوذ. أشخاص يظهرون فجأة في القمة، حتى يكاد المرء يظن أن الطريق إلى تلك المواقع لم يعد يحتاج إلى سنوات من الخبرة والتدرّج والعمل الطويل، بل إلى فرصة عابرة أو بابٍ فُتح في لحظة.

وأكثر ما يثير القلق في هذا المشهد، ذلك البروز السريع والمكثّف لما يُسمّى برجال الأعمال وسيدات الأعمال، ممن يكرّرون عبارة أنهم "بدأوا من الصفر". يا للعجب، يبدو أن "صفرهم" هذا كبير جدًا، فكيف يبدأ الإنسان من الصفر؟ الصفر في حقيقته ليس بداية، بل فراغ لا يُبنى عليه. ومع ذلك تُقدَّم هذه العبارة وكأنها قانون نجاح، في تجاهلٍ لما يعيشه كثير من التجّار وأصحاب الأعمال -رجالًا ونساءً- من معاناةٍ حقيقية، وتعقيداتٍ مرهقة، وظروفٍ قاسية دفعت بالكثير منهم إلى الاستسلام قبل منتصف المشوار، فضلًا عن طريقٍ طويل لا يُختصر في قصةٍ سريعة تُروى على منصّات العرض.

والأخطر من ذلك، أن الأمر لم يعد يثير الاستغراب كما كان، بل أصبح يُمرَّر ببساطة، وكأن العقول قد اعتادت هذا المشهد، واكتفت بتفسيره بعبارات عامة مثل: "نحن في زمن العجائب"، أو "هذا عصر التفاهة"، دون أن يتوقف كثيرون لطرح السؤال الأهم: كيف حدث ذلك أصلًا؟

لكن الحياة، في حقيقتها، لا تعمل بهذه البساطة.

فالنجاح الحقيقي -في التجارة أو العلم أو في أي مجال من مجالات الحياة- طريق طويل، مليء بالتجارب، وربما بالخسائر قبل الأرباح، وبالصبر قبل الثمار. ولهذا فإن الصعود السريع جدًا لا ينبغي أن يُقابل بالإعجاب وحده، بل بسؤالٍ مشروع: ما الثمن الذي دُفع مقابل ذلك؟

 

لقد كَشفت بعض القضايا العالمية في السنوات الأخيرة جانبًا مظلمًا من عالم المال والنفوذ والشهرة. فقد أظهرت التحقيقات والوثائق التي خرجت إلى العلن كيف يمكن لشبكات النفوذ والمال أن تتحول إلى منظومات معقّدة من المصالح والعلاقات الخفية، وأن بعض مظاهر الصعود والاقتراب من دوائر التأثير لم تكن دائمًا بريئة كما تبدو، وأن وراء كثير من البريق صفقاتٍ لا تُحكى، وتنازلاتٍ لا تُذكـر.

والصدمة لم تكن في وجود تلك الشبكات فحسب، بل في أن بعض من انجذبوا إلى بريق المال والشهرة لم يكتفوا بالتنازل عن مبادئهم، بل ساهم بعضهم -وفق ما ظهر- في إيذاء أبرياء، واتخاذ البشر بأي طريقة كانت سُلّمًا للصعود إلى مواقع النفوذ.

ومع ذلك، فالتعميم ظلم. فما زال في العالم نماذج مشرّفة من الرجال والنساء الذين وصلوا إلى ما وصلوا إليه بالعلم والعمل والجهد الطويل، وبنوا نجاحهم لبنةً لبنة، لا قفزةً على أكتاف الآخرين.

 

إن التجارب العملية في الحياة والعمل تكشف أن الطريق الطبيعي لأي نجاح حقيقي لا يكون سريعًا كما يتخيله الناس. فطرق الصعود في ظاهرها كثيرة، لكنها في حقيقتها متشابهة أكثر مما نظن. فالمال، والشهرة، والمناصب، ليست إلا وجوهًا مختلفة للقمة نفسها؛ لكن السؤال الذي يظل قائمًا: بأي ثمنٍ بُني ذلك الصعود؟

 

ليست المشكلة في المال، ولا في الشهرة، ولا في المنصب، فكل ذلك قد يكون نعمة إذا جاء بطرق مشروعة. لكن المشكلة تبدأ حين يصبح المال هدفًا بأي ثمن، وتتحول الشهرة إلى غاية يُضحّى من أجلها بكل شيء، ويغدو المنصب سلّمًا يُصعد عليه ولو على حساب الآخرين.

فكم من إنسانٍ ظنّ أنه صعد، وهو في الحقيقة كان يهبط. وكم من شهرةٍ بدت براقة في ظاهرها، لكنها قامت على تنازلاتٍ لا يرضى بها صاحب كرامة.

إن التاريخ مليء بقصص الذين صعدوا بسرعة، ثم سقطوا بسرعة أشد. فالثروة قد تزول، والنفوذ قد ينتهي، لكن ما يبقى في النهاية هو سمعة الإنسان وضميره.

 

ولعلّ الأمر يستدعي من كل إنسان أن يقف مع نفسه وقفة صدق، ويتساءل: هل الشهرة والمال -خاصة إذا كانا زائلين أو مشوبين بالشبهات- أبقى للإنسان من القناعة والاحترام؟

وتزداد خطورة هذا السؤال حين يتعلق الأمر بمن يُنظر إليهم كقدوة، خاصة من النساء اللاتي يتابعهن كثير من الفتيات الشابات، فتتشكل من خلالهنّ تصورات عن النجاح والحياة. وهنا لا يكون الأثر فرديًا، بل يمتد ليطال المجتمع بأكمله.

 

أليس فيما كُشف من ملفات (جيفري إبستين) دليلٌ كافٍ على أن السعي خلف المال والشهرة، حين ينفلت من القيم، قد يتحول إلى طريقٍ مظلم، تُدفع فيه أثمانٌ لا تُرى، وتترك آثارًا لا تُمحى؟

 

ولهذا، ربما يجدر بكل إنسان، قبل أن يُطارد المال أو الشهرة أو المنصب، أن يقف مع نفسه لحظة صدق، ويسألها سؤالًا بسيطًا:

هل يستحق أي صعودٍ أن يدفع الإنسان ثمنه من كرامته؟

وما قيمة قمةٍ بُنيت على آلام الآخرين؟

فليست كل قمةٍ شرفًا، وليس كل صعودٍ نجاحًا.

 

وقفة مع النفس

إلى كل إنسانٍ أو إنسانةٍ وصل إلى شهرةٍ أو منصبٍ أو مالٍ بسرعة البرق، وربما أوهم نفسه بأنه حقق نجاحًا باهرًا:

إن كان قد فعل ذلك مقابل تنازلاتٍ شخصية تخصه وحده، فذلك شأنه بينه وبين ضميره.

أما إن كان يعلم في قرارة نفسه أن ما وصل إليه لم يكن بوجه حق، أو أن في طريق صعوده حقوقًا لآخرين ضاعت أو ظُلم أصحابها، فربما لا يزال أمامه وقتٌ للتراجع أو لتصحيح الأوضاع.

فالسقوط في أعين الناس أمرٌ ثقيل، لكنه -مهما كان مؤلمًا- يبقى سقوطًا دنيويًا، ولا يساوي شيئًا من السقوط الأخير.

الأكثر قراءة

z