العرب والحضارة الفارسية

آية السيابية

عندما نتناول بصمات التاريخ العربي والتاريخ الفارسي، نجد أننا لا يمكن أن نختزله في صيغة الغالب والمغلوب، ذلك أننا ننتهي إلى وجود سيرة تداخل طويل ممتد ومتسلسل، خلق لنا بنيةً ثقافيةً واضحة المعالم متشابكة الجذور.

ولننطلق هنا من القرن السابع الميلادي وما تلا الفتح الإسلامي لبلاد فارس والانتقال السياسي للسلطة، الذي أعاد صياغة اللغة كوجود أولي وتموضع حضاري ومرجعية دينية وثقافية عليا، انتهى إلى تحوير أبجدي تشكَّل في 28 حرفًا عربيًا وأربعة حروف فقط من اللغة الفارسية القديمة، ومنها، استوعبت المعاجم الفارسية آلاف المفردات العربية، وأصبح قراءة نص فارسي خالٍ من الكلمات العربية ضربًا من ضروب المحال، أو لنقل من ضروب الندرة حتى ندرك الأمانة والدقة في النقل.

ولأن اللغة بيت الكينونة، تأثرت أساليب الكتابة والتعبير الفارسي تباعًا، شمل بذلك مجالات علوم الدين والفلسفة والعرفان والتاريخ. ففي الإطار الديني، تضاءل الوجود الزرادشتي مقابل الدعوة الإسلامية التي بدأت في صيغة عسكرية تمثلت في المواجهات الحاسمة بين العرب المسلمين والدولة الساسانية في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بدأت في معركة القادسية (حوالي 636م) ومعركة نهاوند (642م). ثم بدأ الانهيار للإمبراطورية الساسانية في هزائم متتالية أمام الجيش الإسلامي، وانتهت فعليًا مع مقتل آخر ملوكها، وهو يزدجرد الثالث. امتدت الإمبراطورية الساسانية من 224م إلى 651م، أي ما يقارب 427 سنة من الحكم. وبعدها سقطت المدائن، وتفرّق الجيش الفارسي، وانتهت الدولة كليًا خلال سنوات قليلة سريعًا.

ومنها، جاءت أسلمة المجتمع الفارسي بشكل تدريجي، ولم تكن عملية قسرية أو بالإكراه الفوري، فقد تحولت مع تعاقب الزمن إلى عملية اجتماعية وثقافية أبطأ وأعمق، حيث تشير المصادر التاريخية إلى أن التحول الديني استغرق زمنًا طويلًا امتد إلى قرون. ففي البدء بقيت أعدادٌ كبيرة من الفرس على دياناتهم، خاصة الزرادشتية، ودفعوا الجزية بوصفهم أهل ذمة. وكان من ضمن العوامل الكبيرة المؤثرة في هذا التحول التدريجي للدين الفكرةُ الدينية ذاتها التي تمثلت في لذة اللغة في علوم الدين والتصوف، وبعد تعاقب عدد من الأجيال، أصبحت بلاد فارس ذات غالبية مسلمة وأقلية زرادشتية. وهذا دأب التعاقب الحضاري عبر التاريخ؛ فالدولة يمكن أن تسقط في سنوات، لكن العقائد والهويات تحتاج زمنًا أطول لتتغير.

ومن المهم أيضًا أن نذكر أن الشخصية الفارسية لم تكن متلقيًا سلبيًا، إذ إنها ساهمت بشكل فاعل في صياغة الفكر الديني. فقد صدرت لنا في العالم الإسلامي أعلامًا دينية نشأت في الفضاء الإيراني الإسلامي، مثل: الإمام البخاري، ومسلم النيسابوري، والفارابي، وابن سينا، وغيرهم ممن لا يتسع لنا ذكرهم هنا، ما يجعل الحضارة الإسلامية مدينة في جانب كبير منها للفكر الفارسي.

وإذا ما أشرنا إلى الجوانب الأخرى، فقد استفاد العرب أيضًا من الوجود الساساني. فبعد سقوط الساسانية، وجد العرب جهازًا إداريًا متكاملًا انطلقوا منه وأعادوا تشغيله في ثوب إسلامي عربي، منه مثلًا: تنظيم الدواوين والسجلات المالية والإدارية التي كانت تُدوَّن باللغة الفهلوية، وجرى تعريبها لاحقًا في العصر الأموي لتنظيم شؤون الدولة. أيضًا نظام الضرائب، الذي كان الساسانيون يعتمدونه في مسح الأراضي وحساب إنتاجها، وهو نظام ضريبي ذكي ودقيق، فقد تبنى العرب النظام كما هو، لاسيما فيما يتعلق بالخراج والجباية اللذين تم استخدامهما وفق فقه المنظومة الإسلامية. كما نذكر هنا النظام البريدي للإمبراطورية الساسانية الذي تم استثماره وتطويره من قبل العرب.

أما في الجانب الأدبي، فقد تولد لنا مزيجٌ ثري مزدوج الهوية بين عربي وفارسي، فقد تمركزت اللغة العربية في الأدب الفارسي شعرًا ونثرًا. نشير هنا إلى أعمال سعدي، وحافظ، وجلال الدين الرومي، حيث تتجلى فيها أساطير فارسية قديمة بتصورات روحية إسلامية عربية الأصل. فيما نجد ذروة الإبداع الفارسي تتجلى في الشعر العرفاني. كما يظهر الخط العربي في جانبه الفني في العمارة الفارسية، حيث نجده في المساجد كما نجده في القصور أيضًا بلمسة فارسية بديعة.

ومن هنا، يمكننا استخلاص أن الأثر العربي في الحضارة الفارسية كان أثرًا واضحًا مهيمنًا بشكل سلس عبر اللغة والدين ومفاهيمه، ما نتج عنه اتساع مذهل للحضارة الإسلامية.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z