د. محمد بن عوض المشيخي*
*أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري
ما نسطره اليوم في هذه الزاوية الأسبوعية عبارة عن حكاية نجاح وإبهار وإنجاز علمي فريد لهذا الوطن، مكتوبة بماء الذهب، ومُطرَّزة بأحرفٍ من ضوء اليقين؛ لكونها تستكشف المجهول، وتمنع وقوع المخاطر، وتصوب مسار الأحوال نحو مستقبلٍ مشرق عام للجميع على هذه الأرض الطيبة.
إن الكتابة عن (أكاديمية الدراسات الاستراتيجية والدفاعية) ليس أمرًا هينًا ولا سهلًا، ولا يُشبِهُ بأي حالٍ من الأحوال تلك السطور التي نكتبها دائمًا عن إنجازات هذا البلد المعطاء، بل تتجاوز ذلك بكثير، فحِبرُ أقلامنا قد ينفد قبل أن نعطي هذا الصرح العلمي حقه ومستحقه، وما يُميز تلك الكوادر المنوط بها رسم وتنفيذ خريطة الطريق الموضوعة من أعلى هرم القيادة الحكيمة لجلالة السلطان المفدى هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله- الذي أصدر المرسوم السلطاني رقم 27/2022 بإنشاء هذه القلعة الأكاديمية الرفيعة؛ فسردية المكان ومجده الرفيع المتمثل في معسكر (بيت الفلج)، والذي يعرف تاريخه كلُّ عماني على هذه الأرض الطيبة، كان بكل المقاييس موطنًا للصمود، وميدانًا للتدريب والقيادة طيلة القرن العشرين، وقد زادته هذه الأكاديمية شرفًا ومجدًا ورفعة؛ لما تحتله هذه الأكاديمية من ريادةٍ سبّاقة في الإنتاج المعرفي، وإعداد القادة وتأهيلهم، ورفد سلطنة عُمان بالدراسات الاستراتيجية في مختلف القطاعات التنموية؛ بغية إعلاء شأن السلطنة إلى أرفع المراتب بين الأمم المتقدمة التي تبحث عن موقعٍ رفيعٍ لها تحت الشمس. وقد شَرُفتُ بتدريس برنامج الماجستير في الدراسات الاستراتيجية بكلية الدفاع الوطني، والتي تُعَدُّ بمثابة العمود الفقري لهذه الأكاديمية الرائدة التي أصبحت موطنًا للتميز، بالإضافة إلى كلٍّ من (كلية القيادة والأركان المشتركة) و(مركز الدراسات الاستراتيجية والدفاعية)، وبالتعاون مع جامعة السلطان قابوس، وذلك لعدة سنوات. لا يُبارِحُ ذاكرتي منها مشهد كوكبةٍ من مخرجاتها الفذة، قاموا بالمشاركة بنقاشاتٍ مستفيضة دارت بيننا في أروقة الكلية وقاعاتها، فأصبحوا في مرحلةٍ تالية أعضاء فاعلين في حكومة البلاد، وتولوا مناصب وزارية عالية يُشار لهم فيها بالبنان، وتشهد لهم جهودهم الإدارية بالتميز في الأداء والإنجاز الوطني، ويظهر ذلك جليًّا، على سبيل المثال لا للحصر، في (وزارة الأوقاف والشؤون الدينية) و(وزارة التنمية الاجتماعية)، ولقد كانت مشاركة القطاع المدني، على مستوى مديري العموم ومستشاري الوزارات في برامج الأكاديمية، ذات نجاحٍ كبير وقيمةٍ مضافة، رفدت المؤسسات الحكومية بكوادر ذات إمكانيات عالية، يُنظَر إليها كدماء جديدة متدفقة في منظومة الجهاز الإداري للدولة.
أما عن الزمن الذي دائمًا ما يكون ملازمًا للمكان السابق ذكره، وربطهما بمستقبل الأوطان، وفي ظل الأوضاع الصعبة التي تمر بها المنطقة، فقد نجحت (أكاديمية الدراسات الاستراتيجية والدفاعية) في اعتماد هذا العمل من الجهات المختصة؛ بحيث يتم إطلاق برنامج الماجستير في الدراسات الاستشرافية والتنبؤ بمجريات المستقبل، اعتبارًا من العام الأكاديمي الجديد، متقدمةً بذلك على كل دول الإقليم في هذا التخصص الفريد، والذي أعتبره هديةً قائمةً لسلطنة عمان في هذه المرحلة؛ لكونه يستقطب قياداتٍ متوسطة في السلك الوظيفي، كما يرصد ويفكك القضايا الكبرى التي قد تواجه السلطنة مستقبلًا في المجالات الأمنية المتعلقة بالأمن الوطني السيبراني والذكاء الاصطناعي، وآليات تنمية الاقتصاد الوطني، وطرح أفكار مبتكرة خارج الصندوق كحلول لمشكلة الباحثين عن عمل، كما أفرد البرنامج مساحةً وافية لمعالجة الآثار الناتجة عن الكوارث الطبيعية والأنواء المناخية، ومحاولة التقليل من مخاطرها، وبلورة خلاصات ونتائج من خلال ممارسة عملية العصف الذهني لدى الدارسين، مع التركيز على الفرص المتاحة من بين تلك التحديات والأزمات التي تخضع للاستقراء والبحث والاستكشاف.
وهكذا تُعَدُّ الدراسات الاستشرافية من أهم المفاتيح الأساسية لمعالجة وتفكيك التحديات والأزمات التي تواجه المجتمعات المعاصرة؛ لكونها تعتمد بالدرجة الأولى على الدراسات الرصينة والدقيقة للتنبؤ بالأزمات، والتقاط إشاراتها قبل وقوعها، من خلال كفاءات أكاديمية ذات خبرة وتجربة في صناعة المعلومة الصحيحة وإنتاجها، على أن تكون أدواتها المنهجية العلمية والقياس الدقيق للقضايا التي تواجه المجتمع العماني بهدف تمكينه من صناعة القرار في اتخاذ كل الخيارات المتاحة والاستعداد لها في سبيل تقليل آثار تلك الكوارث على المجتمع، بحيث تُمكِّن الدولة والمجتمع من تجاوزها بأقل الخسائر والأضرار.
واستشراف المستقبل لا ينحصر في الأزمات الطارئة فقط، كالكوارث الطبيعية المتمثلة في الأنواء المناخية والزلزال والبراكين والأمراض الفتاكة والأمن الغذائي، بل يمتد إلى الملفات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية التي أصبحت واقعًا متجليًا أمامنا في هذه الفترة، كما هو الحال في الحروب المفروضة على إقليمنا الخليجي الذي كان مسرحًا مفتوحًا لستة نزاعاتٍ دامية خلال العقود الثلاثة الماضية، ولا شك أن الأمن الوطني بأبعاده العسكرية والاقتصادية والاجتماعية يتطلب من السلطة التنفيذية في كل بلد التخطيط السليم القائم على التصدي المبكر، والذهاب مباشرةً إلى المشاكل المفترضة، وتقديم الحلول المنطقية لتلك التحديات بكل صراحةٍ وشفافية.
لقد تابعنا في بداية الحرب الراهنة كتاباتٍ وأطروحاتٍ عديدة من قبل المفكرين والأكاديميين العمانيين الغيورين على هذا الوطن العزيز، يتساءلون في جوهرها عن مراكز الدراسات الاستراتيجية التي يُفترَض بها أن تقدم ذخيرةً معرفيةً بشكلٍ منتظم إلى أجهزة الحكومة؛ لأجل تصويب قراراتها، مما يترتب عليه توفير الوقت والمال والأمن والاستقرار للوطن والمواطن، ووسط هذا الجدل الوطني المحتدم، تظهر في الأفق الحقيقة التي أثلجت صدورنا جميعًا، وسطعت كنجمٍ متألق في سماء السلطنة، وهي (أكاديمية الدراسات الاستراتيجية والدفاعية)، دُرَّة التاج المعرفي بين المؤسسات العلمية والجامعات العمانية بلا منازع، ولعلنا هنا نشير إلى غزارة الإنتاج الفكري الغائب عن بعض جامعاتنا في السلطنة، في حين نجد القائمين على هذه الأكاديمية لم يتركوا الأمور لمحض الصُّدَف، بل ذهبوا إلى أبعد مدى في استشراف المستقبل بمخاطره وتطلعاته، والتحكم بمؤشراته وإرهاصاته قبل أن تتحول إلى واقعٍ مُرٍّ يصعب ترويضه واحتواؤه، فالدراسة المحكمة والموسومة بـ(الأبعاد الاجتماعية للأمن الوطني في سلطنة عمان) مثالٌ حي على إيلاء هذا المجال جلَّ الاهتمام والعناية، فهي بحق أفضل وأجمل ما قرأتُ في هذا المسار، كما تعكس مجلتا (المسبار) و(الدراسات الاستراتيجية والدفاعية) الإمكانيات الفكرية والثقافية التي يتمتع بها هذا الصرح العظيم الهادف إلى نشر المعرفة وتوطينها في أرجاء هذا الوطن ونواحيه.
وفي الختام، فإن أهم ما تحتاجه السلطنة في هذه المرحلة هو رفع موازنة البحث العلمي وتشجيع مشاريع الابتكار ومضاعفتها، والوصول بها إلى نسبة 3 % من الناتج المحلي الإجمالي في البلاد؛ بحيث يشمل ذلك الجامعات الحكومية والخاصة، على أن تحدد الحكومة أولويات تلك المشاريع البحثية، خاصة تلك التي تعالج الظواهر الغريبة على المجتمع العماني وذات الآثار السلبية على الشباب.
