لا يُلدغ المرء من جُحر مرتين.. إلا إذا!

 

 

عباس الزدجالي

abbas@omanamana.com

 

 

في عالم السياسة، لا تُقاس الذاكرة بالسنوات؛ بل بالصدمات. وما حدث مؤخرًا في مسار العلاقة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، ليس مجرد تعثر تفاوضي عابر؛ بل تجربة صادمة تختصر معضلة الثقة في العلاقات الدولية. فبينما كانت طهران تقترب -وفق ما تسرب من أجواء- من تفاهم محتمل مع واشنطن بوساطة عُمانية، جاءت الضربات العسكرية الواسعة لتنسف ليس فقط البنية التحتية؛ بل ما هو أعمق: فكرة إمكانية الوثوق أصلًا بالمسار التفاوضي.

المثل العربي يقول: "لا يُلدغ المرء من جُحر مرتين"، لكنه يفترض أن الذاكرة تعمل، وأن التجربة تُنتج حكمة. أما في السياسة الدولية، فالأمر أكثر تعقيدًا؛ إذ قد يُضطر اللاعبون للعودة إلى الجحر ذاته، لا لأنهم نسوا؛ بل لأن البدائل أشد خطورة. وهنا تكمن المفارقة: إيران اليوم لا تبدو في موقع من يمكنه تجاهل التفاوض، لكنها في الوقت ذاته ليست في موقع من يمكنه الوثوق به.

ما جرى يعكس نمطًا بات مألوفًا في إدارة الأزمات الكبرى: التفاوض تحت النار. رسائل مزدوجة، قنوات مفتوحة، وتصعيد ميداني متزامن. فمن جهة، حديث عن "محادثات بناءة" وتأجيل ضربات لإفساح المجال للدبلوماسية، ومن جهة أخرى، استمرار العمليات العسكرية بوتيرة عالية. هذه الازدواجية لا تُقرأ في طهران كبراغماتية؛ بل كأداة ضغط مركّبة: تفاوض لتقييد الخصم، وضربات لإضعافه، ورسائل إعلامية لإرباكه.

لكن السؤال الجوهري ليس: هل تفاوض إيران مجددًا؟ بل: كيف تفاوض بعد الآن؟ الفارق بين التفاوض في أجواء ثقة نسبية، والتفاوض تحت قناعة عميقة بانعدام الثقة، هو الفارق بين بناء اتفاق طويل الأمد، وإدارة هدنة مؤقتة. وفي الحالة الإيرانية، يبدو أن أي عودة إلى الطاولة ستكون محكومة بمنطق "اختبر ثم صدّق"، لا "ثق ثم التزم".

إسرائيل، في هذا السياق، تمثل معادلة مختلفة تمامًا. فمن منظور إيراني، ليست طرفًا تفاوضيًا أصلًا؛ بل طرفًا عسكريًا يسعى لتغيير موازين القوى عبر الضربات الاستباقية. وعليه، فإن الحديث عن "الثقة" هنا يبدو خارج السياق؛ إذ إن ما ترسخ هو قناعة بأن إسرائيل تتعامل مع أي مسار تفاوضي كفاصل تكتيكي، لا كخيار استراتيجي.

أما الولايات المتحدة، فصورتها أكثر تعقيدًا؛ فهي في نظر إيران الطرف الذي يمكن التفاوض معه، لكنه أيضًا الطرف الذي قد يُغيِّر قواعد اللعبة في أي لحظة، تبعًا لحسابات داخلية أو إقليمية. وهذا ما يجعل أي اتفاق محتمل عرضة للاهتزاز، ما لم يُدعّم بضمانات صلبة وآليات تحقق واضحة، تتجاوز التصريحات السياسية إلى التزامات قابلة للقياس والتنفيذ.

في هذا المشهد، تبرز الوساطة العُمانية كاستثناء لافت. فمسقط، التي بنت سمعتها على الحياد والثقة، تجد نفسها مرة أخرى أمام اختبار صعب: كيف تُعيد جمع أطراف فقدت الثقة ببعضها إلى حد غير مسبوق؟ النجاح هنا لن يكون في مجرد إعادة إطلاق المحادثات؛ بل في خلق إطار جديد يقلل من فجوة الشك، ويمنح كل طرف حدًا أدنى من الطمأنينة بأن ما يُتفق عليه لن ينهار عند أول منعطف.

غير أن أي حديث عن "اتفاق" يتجاوز اليوم مسألة الثقة إلى مسألة الحقوق القانونية والسيادية. فمن منظور القانون الدولي، الدولة التي تتعرض لاعتداء واسع النطاق، يحق لها المطالبة بتعويضات عن الخسائر البشرية والمادية والاقتصادية التي لحقت بها، كما يحق لها المطالبة برفع الإجراءات العقابية -كالحصار والعقوبات- واستعادة أموالها المجمدة. بل إن مسألة المساءلة عن استهداف المدنيين، بما في ذلك المجزرة البشعة في مدرسة "شجرة طيبة" في ميناب، تصبح جزءًا لا يتجزأ من أي تسوية عادلة، لا بندًا هامشيًا يمكن تجاوزه.

وفي هذا السياق، فإن أي تسوية لا تتضمن حدًا أدنى من هذه المطالب، قد تُقرأ داخليًا في إيران -سياسيًا وشعبيًا- على أنها تنازل تحت الضغط. بل أكثر من ذلك، قد يُنظر إلى القبول بوقف الحرب دون مقابل ملموس، أو فتح ممرات استراتيجية كمضيق هرمز دون تحقيق مكاسب مقابلة، باعتباره تراجعًا قسريًا لا تسوية متوازنة. وهذا البعد ليس دعائيًا فقط؛ بل يرتبط بشرعية القرار السياسي داخل أي دولة تواجه حربًا وخسائر كبيرة.

وهنا تتعقد المعادلة أكثر: فالمطلوب ليس فقط وقف إطلاق النار؛ بل إطار تسوية يحفظ ماء الوجه لكل الأطراف. إيران تحتاج إلى ما يثبت أنها لم تُهزم سياسيًا، والولايات المتحدة تحتاج إلى ما يثبت أنها فرضت شروطًا مقبولة، وإسرائيل تسعى إلى ضمانات أمنية طويلة الأمد. وبين هذه الحسابات، تصبح الوساطة -خصوصًا العُمانية- أمام مهمة شديدة الحساسية: صياغة مخرج لا يبدو فيه أحد منتصرًا بالكامل، ولا مهزومًا بالكامل.

النتيجة الأهم لما جرى ليست عسكرية فقط؛ بل نفسية وسياسية. فقد انتقلت إيران -على الأرجح- من مرحلة البحث عن "اتفاق ممكن"، إلى مرحلة إدارة "مخاطر مستمرة". وهذا التحول يعني أن أي اتفاق مستقبلي سيكون أكثر تحفظًا، أكثر تدرجًا، وأقل طموحًا. بمعنى آخر: لن يكون الهدف حل الأزمة؛ بل احتواؤها.

ولذلك نقول: لا يُلدغ المرء من جُحر مرتين، إلّا إذا دخل الجُحر نفسه مُغمض العينين!

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z