مضيق هرمز.. بين مطرقة الحرس الثوري وسندان القانون الدولي

 

 

 

د. محمد بن عوض المشيخي **

 

العالم من أقصاه إلى أقصاه يغوص في أزمة غير مسبوقة في تاريخه الحديث بعد الحرب العالمية الثانية؛ فالذي يقف خلف هذه الحرب المدمرة التي تأكل الأخضر واليابس في المنطقة هو إرهابي اسمه بنيامين نتنياهو، وسفاح متعطِّش لدماء الشعوب بعد أن وصمته المحكمة الجنائية الدولية كمجرم حرب، والمسؤول الأول عن الإبادة الجماعية لأكثر من 70 ألف فلسطيني في قطاع غزة.

بكل سهولة جرَّ هذا النتنياهو أمريكا واقتادها للهجوم على إيران دون مبرر، فقد استطاع اللوبي الصهيوني المساند لإسرائيل في واشنطن أن يُصيب القيادة الأمريكية بالعمى والتهور، وبدون التنسيق مع الحلفاء في الخليج العربي الذين خذلهم ترامب وفضَّل مصلحة إسرائيل عليهم؛ مما ترتب على ذلك جعل دول الخليج على الضفة الأخرى وقودًا لهذه الحرب المدمرة، التي لا لدول مجلس التعاون الخليجي ناقة ولا جمل فيها؛ حيث استهدفت إيران من جانبها المرافق الاقتصادية كالموانئ ومنشآت الطاقة، وربما يتسبب ذلك في أن نرجع إلى مرحلة ما قبل النفط والازدهار الاقتصادي الذي تمثل في النهضة العمرانية الخليجية التي أصبحت اليوم أهدافًا مباشرة للصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، التي في واقع الأمر قد جانبها الصواب بالهجوم على الجيران وفتح جبهات جديدة غير ضرورية، بدلًا من التركيز على العدو الحقيقي: إسرائيل وأمريكا.

بالطبع، إسرائيل وكذلك أمريكا تهدفان إلى جرِّ هذه الدول إلى المشاركة المباشرة في الحرب المفروضة على المنطقة؛ كما أن هناك هدفًا آخر هو الانسحاب من ساحات القتال في يومٍ ما؛ فالحروب لا تدوم ولها نهاية، لكن الأهم من ذلك عند هؤلاء من صُنَّاع الإرهاب والحروب المدمرة هو توريط دول المنطقة في مواجهة إيران، كرد فعل على عدوانها غير المبرر عليها، بزعم القصف من القواعد الأمريكية بالمنطقة، والتي أصبحت عبئًا ثقيلًا على الجميع، بدلًا من أن تكون مصدرًا للأمن والدفاع عن تلك الدول، مثل حرص أمريكا على حماية إسرائيل وتزويدها بالمنظومات الدفاعية المتطورة لالتقاط الصواريخ البالستية والطائرات الدرون. وعلى الرغم من أن قطر وسلطنة عُمان والسعودية كانت لها جهود جبارة ووساطات لمنع اندلاع هذه الحرب العبثية، إلا أن العابثين بأمن المنطقة قد نجحوا في إشعال الحرب التي لم تكن سوى حرب لتحقيق أطماع إسرائيل. وبالفعل هناك مؤامرة كبرى لكي يُستنزف ما تبقى لهذه الدول من الموارد في شراء السلاح الأمريكي، ولكي تستمر الحرب على ضفتي الخليج سنوات طويلة، مثل نموذج الحرب العراقية-الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي.

صحيحٌ أنني كنتُ من الذين يرون أن مضيق هرمز يجب أن يكون مفتوحًا لدول الخليج؛ لكونه شريانًا حيويًا لتلك الدول التي لا منفذ لها غير هذا الممر الذي يُصدَّر منه عشرون مليون برميل يوميًا من النفط، وكذلك تستورد كل من الكويت والبحرين وقطر والإمارات والعراق معظم مستلزماتها الغذائية واللوجستية من ذلك الممر المائي الاستراتيجي، لذلك أكدت وجهة نظري بوضوح منذ سنوات طويلة؛ إذ كنت في مقابلة مع التلفزيون الإيراني الرسمي في مايو 2022، وحذرت من إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية من طرف واحد؛ لأن ذلك قد تتخذه الدول الأجنبية المعادية للأمة حجة، بزعم حماية الممرات المائية الدولية بهدف السيطرة على دول المنطقة.

وبالفعل وجدت إيران نفسها في هذه الأزمة تستخدم الورقة الذهبية القاتلة لأمريكا وإسرائيل، والمتمثلة في السيطرة على الملاحة في هذا المضيق الاستراتيجي الذي يُعد بمثابة رئة لسكان المنطقة؛ فهو يربط الخليج العربي ببحر عُمان، ويمتد طوله لنحو 167 كيلومترًا، بينما عرضه حوالي 33 كيلومترًا، لكنه يضيق في بعض الأماكن التي تمر فيها السفن لحوالي 3 كيلومترات فقط. وبالطبع الهدف الإيراني هو منع السفن التي تتبع لدول معادية لها من المرور، وذلك لمواجهة العدوان الصهيوني. وقد تسبب ذلك في ارتفاع أسعار الطاقة إلى أرقام قياسية؛ إذ تجاوز سعر البرميل 115 دولارًا أمريكيًا (كما قفز سعر برميل نفط عُمان لأكثر من 160 دولارًا)، ثم تحولت إلى أزمة طاقة عالمية من العيار الثقيل، جعلت القيادة الأمريكية توجه إنذارًا لإيران بضرورة فتح المضيق، وإلا ستواجه ضربات عسكرية شديدة، لكن إيران ترفض ذلك التهديد الذي تضمن التلويح بالسيطرة الأمريكية على جزيرة خارج الإيرانية التي يُصدَّر منها معظم النفط الإيراني، وكذلك استهداف محطات الكهرباء المدنية في البلاد.

والسؤال المطروح الآن: هل مضيق هرمز ممر دولي أم يخضع لإيران من الشواطئ الشمالية، وسلطنة عُمان من الشواطئ الجنوبية للخليج العربي؟

في واقع الأمر، المضيق يُعد ممرًا دوليًا؛ لكونه يخضع لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، والتي دخلت حيز التنفيذ في عام 1994؛ إذ وقَّعت كل من سلطنة عُمان وإيران على تلك الاتفاقية، ولكن إيران لم تصادق على الاتفاقية الأممية؛ حيث كان مبرر إيران أن من حقها التحكم بالمضيق في الظروف الاستثنائية كالحروب التي تستهدف أمنها القومي، وعلى الرغم من ذلك تجيز المادة (42) من نصوص الاتفاقية للدول المُشاطئة اعتماد لوائح محددة تتعلق بسلامة الملاحة، وتنظيم الحركة البحرية، ومنع التلوث، وتنظيم المسائل المتعلقة بالصيد البحري والضبط الجمركي والصحي، بدون أن تتحول هذه السلطة التنظيمية إلى تعطيل للملاحة في المضيق.

وفي الختام، يبدو لي أن الحرس الثوري الإيراني يمتلك الإمكانيات والأفضلية على التحكم بالمضيق؛ لكونه قد استعد لذلك؛ حيث إن وجوده لا يتمحور فقط في البحر، بل إنه نصب الصواريخ على الضفة الشرقية للخليج، مستفيدًا من نموذج جماعة أنصار الله "الحوثي" في اليمن؛ حيث نجحوا في تعطيل الملاحة للسفن المساندة لإسرائيل، بل وحتى حاملات الطائرات الأمريكية، والتي أجبرها الحوثيون على عقد سلام وعدم الاعتداء، بالتزامن مع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.

 

** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري

الأكثر قراءة

z