محمد بن رامس الرواس
عندما تشتدُّ غزارةُ الأمطار في بلادنا، وتبدأ الأوديةُ بالجريان، تتحوّل الطرقُ التي تقطع الأوديةَ إلى مناطقَ خطرة. والمشكلة لا تكمن دائمًا في جهل السائق بخطورة الوادي؛ بل في ثقافة الاستهانة بقوة المياه الجارية وسرعتها؛ حيث يظنُّ كثيرون من السائقين أن امتلاك مركبةٍ ذات دفع رباعي يمنحهم القدرةَ على عبور الوادي سريعِ الجريان، غافلين عن حقيقةٍ فيزيائية بسيطة: أن قوة دفع المياه المتدفقة يمكنها إزاحةَ أطنانٍ من الحديد في ثوانٍ معدودة، بمجرد وصولها إلى ارتفاعٍ معيّن من إطارات المركبة.
التعامل مع الأودية يتطلّب وعيًا يتجاوز مجرد "فن القيادة"، ليصل إلى فلسفةٍ وثقافةٍ تقوم على الالتزام بأمانة الأرواح، وتغليب العقل على العاطفة اللحظية أو ضغط الركاب.
ولتجاوز هذه التحديات، نحتاج إلى حلولٍ تدمج بين الوعي المجتمعي، واستخدام التكنولوجيا، والردع القانوني. والحل الأول يبدأ من الداخل، وهو تحويل قرار عدم العبور من موقفٍ شخصي إلى قيمةٍ اجتماعية نحمي من خلالها أنفسنا. ويكون تطبيق ذلك عبر تكثيف الحملات الإعلامية قبل المنخفضات الجوية، التي تركز على السائق الملتزم الذي يحافظ على عائلته، لا على من يخاطر بهم.
وفي هذا السياق، لا يمكن الاعتماد على تقدير العين المجرّدة لعمق المياه أو سرعة التيار، خاصةً خلال العتمة. لذا وجب على الجهات المختصة نشرُ وتركيبُ أعمدة استشعارٍ ذكية عند نقاط التقاطع المعروفة بعبور الأودية، مرتبطة بإشاراتٍ ضوئية حمراء وخضراء تعمل تلقائيًا بناءً على منسوب المياه. والهدف هو مساعدة السائق على اتخاذ قرارٍ يخرجه من دائرة التردد أو التقدير الخاطئ، بحيث يصبح تجاوز الإشارة الحمراء للوادي بمثابة ارتكاب مخاطرةٍ كبرى.
وقليلًا ما يفشل النصح، لكن يجب أن تتدخل قوة القانون لحماية المتهوّر من نفسه، وحماية فرق الإنقاذ التي تخاطر بحياتها لأجله. لذا وجب فرض غراماتٍ على مقتحمي الأودية عندما يستدعي الأمر تدخل فرق الدفاع المدني والجهات الأمنية.
وختامًا.. تُعد الأودية في سلطنتنا الحبيبة عُمان هبةً من الله جل وعلا، وليست طريقًا للخطر. وتغيير سلوكنا وثقافتنا تجاهها هو الفارق بين العودة إلى المنزل بسلام، أو- لا قدّر الله- حدوث مأساة.
