عبيدلي العبيدلي
- ماذا يعني "استشراف علمي" هنا؟ سيناريوهات ومؤشرات
بدلًا من الغرق في مفردات لغة الإنشائية، يمكن بناء سيناريوهين كميين مبسّطين لفترة 10 سنوات (حتى 2035 تقريبًا)، مع مؤشرات واضحة يمكن متابعتها:
السيناريو الأول: "الاستمرارية مع تحسّن تدريجي"
فرضياته:
- تصل مساهمة الصناعات الثقافية والإبداعية في بعض دول الخليج إلى حدود 3-4% من الناتج المحلي (بحسب الأهداف الحالية). وهذه ليست أمنيات عاطفية، إذ تشير لها مجموعة من الأرقام الإحصائية المتوقعة.
- تستمر مشاركة المرأة في القوة العاملة الإبداعية عند مستوياتها الحالية المرتفعة (ربما بين 40–50% من الوظائف الإبداعية في بعض القطاعات)، مع زيادة طفيفة في المناصب القيادية (من حوالي ثلث إلى 40%).
النتيجة الاستشرافية:
- تصبح المرأة الخليجية فاعلًا رئيسيًا في توليد القيمة داخل الاقتصاد البرتقالي، لكن دون أن تنعكس هذه الحقيقة بنسبة مكافئة في القيادة وصنع القرار. إذ تراوح المرأة في مواقعها الإنتاجية القائمة، البعيدة عن المناصب القيادية التي تساهم بشكل مباشر، ومؤثر في صنع القرارات، ورسم السياسات.
- محصلة ذلك استمرار الخطر قائمًا بأن تُستغل المهارات الإبداعية النسائية، دون ترجمة ذلك إلى سلطة تفاوضية أو مكاسب اقتصادية موازية (فجوة أجر، فجوة ملكية، فجوة تمثيل).
السيناريو الثاني: "تحوّل منظم نحو قيادة نسائية إبداعية".
فرضياته الإضافية:
- إدخال مؤشرات جندرية في قياس الصناعات الإبداعية (نسبة النساء في القيمة المضافة، في الصادرات الإبداعية، في الملكية، في المناصب القيادية).
- تصميم برامج، ملموسة وذات فعالية عالية، موجهة لزيادة نسبة النساء في القيادة الإبداعية إلى ما لا يقل عن 45–50% خلال 10–12 سنة في مؤسسات الإعلام، والإعلان، والمنصات الثقافية، والشركات الإبداعية الكبرى.
- توجيه جزء محدد من تمويل الحاضنات والمسرّعات الإبداعية لصالح المشاريع التي تقودها نساء (مثل تخصيص 30–40% من محافظ التمويل المبتكر للمشاريع الإبداعية النسائية).
في هذا السيناريو، يمكن، بمستوى ثقة معقول، توقع أن:
- تتحول المرأة الخليجية من مجرد "مُنتِجة (إفتراضية) غير مرئية" إلى فاعل اقتصادي محسوب: أي أن الإحصاءات الوطنية ستبدأ في إظهار نصيب النساء من القيمة المضافة في الصناعات الثقافية والإبداعية، ومن الصادرات الإبداعية، ومن الملكية الفكرية المسجلة.
- تنمو حصة منتجات الاقتصاد البرتقالي، كي تتحول إلى أحد أهم مجالات إغلاق الفجوة الجندرية اقتصاديًا في الخليج، لأن نقطة البداية فيه أفضل (تكافؤ نسبي في التعليم، حضور نسائي قوي في المهن الإبداعية) مقارنة بقطاعات أخرى ذات تاريخ ذكوري أطول (الطاقة، البناء، النقل).
هذا ليس توقعًا إنشائيًا، بل نتيجة مباشرة لسياسات محددة قابلة للقياس:
- إذا رفعنا نسبة النساء في القيادة من 30% إلى 50%،
- وربطنا ذلك بقطاع مرشح ليصل إلى 3–5% من الناتج المحلي، فإن أثر ذلك على تمكين المرأة الاقتصادي سيكون أقوى بكثير من رفع مشاركتها في قطاعات أخرى تبدأ من قاعدة أدنى.
- ما الذي يجب أن يحدث علميًا ليصبح هذا المستقبل مرجحًا؟
رؤية استشرافية، مقتنعة، فاعلة، وقادرة على أن تحدد شروط تحققها بوضوح، وليس فقط وصف إنشائي يحدد معالم شكلها. يمكن تلخيص هذه الشروط في ثلاثة محاور عملية:
- محور القياس: إدخال المرأة في معادلات حساب الاقتصاد البرتقالي
- مطالبة أجهزة الإحصاء الخليجية ووزارات الثقافة والاقتصاد بإدراج مؤشرات النوع الاجتماعي (Gender) في كافة تقارير الصناعات الثقافية والإبداعية:
- نسبة النساء في العمالة الإبداعية حسب المهنة.
- نسبة النساء في القيادة والملكية.
- نصيب النساء من المشاريع المسجلة والصادرات الإبداعية.
- النسبة التي تحتلها المرأة في إدارات التخطيط ومؤسسات صنع القرار.
- هذه الخطوة ليست تجميلية؛ إذ بدونها لا يمكن بناء سياسات قائمة على الأدلة، ولا يمكن تقييم أثر برامج التمكين الحالية.
- مطالبة أجهزة الإحصاء الخليجية ووزارات الثقافة والاقتصاد بإدراج مؤشرات النوع الاجتماعي (Gender) في كافة تقارير الصناعات الثقافية والإبداعية:
- محور السياسات: ربط رؤى التنويع الاقتصادي بأجندة تمكين المرأة
- ربط صريح بين أهداف مساهمة الاقتصاد البرتقالي في الناتج المحلي وبين مؤشرات تمكين المرأة (مثل هدف: "زيادة نسبة المرأة في قيادة الصناعات الإبداعية إلى 50% بحلول 2035").
- إدماج ممثلات عن شبكات المبدعات (مثل رائدات وشبكات العلاقات العامة النسائية وشبكات الفنانات والمصممات) في لجان تصميم الاستراتيجيات الثقافية والإبداعية، بحيث تتحول المرأة من "موضوع سياسة" إلى "شريك في صياغتها".
- محور البنية التحتية: بناء منظومات تدعم الاستدامة المهنية للمبدعات
- تطوير صيغ عقود وعمل مرنة تحمي العاملات المستقلات في القطاعات الإبداعية (تأمين اجتماعي، إجازات أمومة، عقود واضحة، حماية من الاستغلال).
- إنشاء حاضنات ومسرّعات متخصصة في مشاريع الاقتصاد البرتقالي تقودها نساء، مع مكون قوي في الملكية الفكرية، والتسويق الدولي، والتقنيات الإبداعية ( الذكاء الاصطناعي التوليدي، منصات Web3، إلخ).
إذا تحركت هذه المحاور الثلاثة بشكل متزامن، وفاعل، خلال 5–10 سنوات، فإن الرؤية الاستشرافية لن تبقى عبارات "إنشائية"، بل ستتحول إلى نتيجة شبه حتمية لمسار سياسات واضح: اقتصاد برتقالي يمثل 3–5% من الناتج المحلي في عدد من دول الخليج، وداخل هذا القطاع امرأة خليجية تُرى وتُقاس وتُموَّل وتُسأل – ليس فقط عن جودة ما تنتجه، بل عن شكل السياسات التي تحكم هذا الإنتاج.
بهذا المعنى، لا يعود الاستشراف العلمي تنجيمًا، بل رسم لمسار منطقي:
- قطاع في حالة نمو معلَن عنه،
- قاعدة نسائية إبداعية قوية موجودة بالفعل،
- وفجوة سياسات وقياس يمكن ردمها بأدوات معروفة.
