بين بين!

قناديل رمضانية 4


 

سارة البريكية

sara_albreiki@hotmail.com

 

حنين وشوقٌ وصدمة وأرق، هذا حال الأشخاص الذين يفقدون أشخاصًا لم يتوقعوا يومًا أنهم سيرحلون فجأة، تمامًا كما حصل معنا. ورغم أن العالم حولنا ينطبخ بالحروب والظروف الراهنة، إلا أننا في وادٍ آخر ليس كأي وادٍ.

هذا الوادي الذي يتدفق بغزارة بمشاعر ملؤها الصدمة والحزن والألم، وتارة أخرى ترضى وتارة أخرى تهلوس، هو تمامًا إحساس فقد الأشخاص المقربين منك، ومشاعر ربما لم يعشها البعض، ولكن أغلب البشر سيعيشها تباعًا، وهذا هو القدر. وعليك أن تؤمن بقضاء الله وقدره، وأن ترضى في وقت كان الرضا فيه صعبًا، وأن لا ترهق نفسك كثيرًا وتحاول جاهدًا إدراك حقيقة الغياب الأبدي وحقيقة اليقين بذات الله بأننا سنلتقي في حياة أخرى.

في رمضان هذا هناك الكثير من الصعوبات التي تلم بأغلب البشر؛ فبعض المطارات أُغلقت، وعلق بعض الأشخاص في دول أخرى، ولم يسمح لهم القدر أن يعيشوا تفاصيل أيام هذا الشهر الفضيل مع أهلهم وذويهم ومحبيهم. وكل شيء حدث لحكمة بالغة ولسبب يعلمه الله وحده، ولكن هيهات هيهات، سوف تعلم عن أسباب هذا الانتظار الطويل قريبًا، والحكمة في رضاك وصبرك وتحملك قريبًا جدًا. فكن على يقين بأن الله لا يعذبنا، وإنما يمنحنا ويعطينا ويعلمنا، وحتى في أقسى الظروف فنكبر في دقائق سنوات من العمر ومن الفهم ومن الوعي ومن الإدراك، ونعلم أن الله سبحانه وتعالى عظيم، وكل أمر مقدر منه لحكمة يريدها، وهي أيضًا جميعها تنصب في صالحنا، فمهما قست تلك الظروف لا بد أن يأتي الشروق سريعًا جدًا.

في رمضان تملأ القلوب السكينة والطمأنينة، ويصبح العطاء أكبر، والتحمل على مجريات الأمور أكبر وأكبر. فربما كان الصبر هو السلاح الوحيد الذي تملكه لكي تتغلب على المصاعب التي تواجهك والضغوطات التي تعصف بك، وأن الصبر والسلوان الذي يسكن روحك الطيبة هو رسالة من الله تعالى أنك قادر على تخطي الحزن والعواقب والأيام الصعبة، وقادر على خلق الخير للجميع حولك وبين تفاصيل حياتك اليومية. وفي لحظة ما تدرك أنك لست ذلك الإنسان الهش، وإنما الحياة جعلت منك إنسانًا قويًا صلبًا ثابتًا متزنًا.

ورغم كل ما يحدث في هذا الوقت من حروب ومآسٍ بقيت قادرًا على فهم ومواجهة الحياة، متكئًا على نفسك وعلى الله وحده، وبعد أن فهمت أن مختصر الحياة كلها هو العبادة والصلاة والاقتراب من الله تعالى أكثر هو المفتاح الوحيد الذي يوصلنا إلى بر الأمان وإلى الدرب القويم. ومع ترقب الناس في الأيام العشر التي تبعث بالروحانية وإقامة شعائر الدين وقيام الليل وقراءة القرآن، لازلت أذكر تلك اللحظات الجميلة التي كانت بين روحي وقلبي، بين تفاصيل حياتي وبين جدران البيت، تلك الروح الجميلة التي رحلت سريعًا دون وداع. ولازلت أنتظر موعد اللقاء بها، ولازلت بين مصدِّقة وبين بين، فرغم كل تلك الصلابة والقوة التي تظهر علينا لازال هناك أنين لا يسمعه الآخرون، وضجيج في عقلي لا يعي ما يحدث وما الذي حدث.

في القناديل الرمضانية يبدأ السلام، وفي ضوئها الأسر تشتاق الأرواح للتآلف، وفي شوارع بلادي هناك هدوء حكيم لن يستطيع أحد أن يعيه أو يفهمه؛ فمن تربى على الأمن والأمان لن تهتز شوارعه ولا ضواحيه بمتغيرات الكون، لكننا ندعو الله دائمًا أن يعم السلام والرضا والخير بين شعوب العالم أجمع.

 

الأكثر قراءة

z