الجمهورية الثالثة في إيران

 

 

 

علي بن مسعود المعشني

ali95312606@gmail.com

تتجه الأنظار اليوم بقوة وحذر إلى القيادة الجديدة في إيران، وانتخاب آية الله مُجتبى علي خامنئي مرشدًا أعلى وقائدًا للجمهورية الثالثة في إيران، وما سيترتب على هذا التعيين وتوقيته داخل إيران وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي.

فقد كانت المؤشرات تتجه إلى انتخاب المرشد بعد أن تضع الحرب أوزارها، وتتضح جميع الأوراق والمكاسب منها لكافة الأطراف.

ولكن يبدو أنَّ للقيادة السياسية العليا في إيران حسابات ومرامٍ أخرى، للإسراع في التعيين والإعلان عن المرشد البديل لسماحة المرشد علي خامنئي.

وبالعودة إلى عام 1989م، عام وفاة الزعيم والمرشد المؤسس للجمهورية الأولى آية الله روح الله الخميني، فقد راهن الكثير من أعداء الثورة بالداخل والخارج بأن وفاته ستشكل انقسامًا حادًا بداخل مراكز النفوذ والقوى في القيادة السياسية العليا بالجمهورية، وأن هذا التصدع المرتقب والمفترض سيكون مدخلًا مثاليًا للإجهاز على الجمهورية المتهالكة والمُجهدة من حرب الثمان سنوات العجاف مع الجارة العراق. ولكن تلك الرهانات تهاوت بعد تعيين البديل والإعلان عن الجمهورية الثانية بقيادة سماحة آية الله على خامنئي وفي زمن قياسي؛ حيث عمل المرشد خامنئي على ترميم الدولة من آثار الحرب، وتقوية نسيجها الداخلي، وقوتها العسكرية الضاربة للحفاظ على مكاسب الثورة والدولة الفتية.

وقد تركت فترة العقود الثلاثة لقيادة الإمام المرشد علي خامنئي بصمات واضحة على الدولة والشعب لما عُرف عنه من فكر وثقافة وفلسفة وعمق سياسي شكَّلت نظرته للحكم وإدارة شؤون البلاد والعباد، والعمل على التوافق والتوازن مع جميع الأطراف التي تشكل الأطياف السياسية في إيران، من محافظين وإصلاحيين وليبراليين جدد.

اتسمت شخصية المرشد علي خامنئي بالانفتاح والتسامح وعمق التجربة السياسية الواسعة التي عاشها، كما اختزلت موقفين مُهمين في عهده، وهما العداء الواضح والصريح لأمريكا وعدم الوثوق المطلق بها، وعدم السماح بامتلاك إيران للسلاح النووي أو ما على شاكلته من أسلحة دمار عمياء، مثل الأسلحة الكيماوية أو البيولوجية وغيرها رغم امتلاك إيران القدرة على تصنيعها وامتلاكها، وكان التركيز على امتلاك القدرات الجوية المتمثلة في الصواريخ والطائرات المُسيَّرة بدون طيار "الدرونز"؛ على اعتبار أنها الاسلحة الفاعلة في موازين القوة اليوم، ولتغير قواعد الاشتباك العسكري من وحدات عسكرية تقليدية إلى أسلحة نوعية.

ومع انتخاب الابن مُجتبى اليوم لقيادة الجمهورية الثالثة في إيران وفي زمن مواجهة تاريخية مباشرة مع أمريكا والكيان الصهيوني وللمرة الثانية وفي غضون شهور قليلة، مع رصيد عداء تاريخي ومخطط غربي صريح بضرورة إزالة النظام في إيران متمثلًا بالثورة ورموزها وثقافتها، يمكن القول إن المرشد الجديد سيجد نفسه مضطرًا لمواكبه عصره والحفاظ على الجمهورية ومواجهة خطر الزوال، بمخالفة فتوى والده- قسرًا- والسماح بامتلاك إيران لسلاح نووي من باب الردع ومن مقتضيات صراع البقاء المفروض على إيران.

وهذا القرار لن يكون مرُوقًا على الموروث السياسي للدولة؛ بل من مقتضيات الضرورة، ولزوميات الزمان ومنطق العصر، وتكريسًا للعداء مع عدو لا يفهم سوى منطق القوة ولا يحترم سوى الأقوياء.

ولا شك عندي أن حصاد العدوان الحالي على إيران لن يُحطِّم الحلم الأمريكي الصهيوني في زوال النظام فحسب؛ بل سيجعل أوراق إيران في أي مفاوضات قادمة حيوية ومتعددة وقوية أكثر مما مضى.

قبل اللقاء.. يقول المثل: "عدو عاقل، خير من صديق جاهل".

وبالشكر تدوم النعم.

 

الأكثر قراءة

z