وداد الاسطنبولي
سأخبركم قصتي
تأجلت رحلتي من مسقط إلى صلالة بتاريخ ٢/٣/٢٠٢٦م إلى يوم الجمعة ٦/٣/٢٠٢٦م. لم يكن تأجيل الرحلة يومين هو الأمر المزعج فقط، بل الطريقة التي وصل بها الخبر. لم تصل رسالة، ولا تنبيه، وكأنَّ المسافرين يجب أن يكتشفوا مصير رحلاتهم بالصدفة.
رجعت من المطار، وفرحت أختي برجوعي وقالت لي: "لعلها خيرة."
ثم قيل إن الرحلة ستكون ظهرًا. كنت متشوقة كثيرًا لبلدتي وبيتي، لكنني تفاجأت مرة أخرى – وبصراحة احمرّ وجهي – بتأجيل وقت الرحلة من الظهر إلى العصر.
تفحصت الرسائل النصية وبريد هاتفي الإلكتروني، ولم أجد أي تنبيه من المطار. لم يكن التأجيل هو ما أزعجني بقدر ما أزعجني الصمت.
ففي زمنٍ تصل فيه الرسائل إلى هواتفنا في ثوانٍ، بدا غريبًا أن يكتشف المسافر تأجيل رحلته بالصدفة. العالم يتسارع، والتكنولوجيا تختصر المسافات، لكن بعض الأخبار ما زالت تصل متأخرة.
كيف عرفت بتأجيل الوقت؟
أيضًا بمحض الصدفة.
ومع ذلك، ذهبتُ إلى المطار وأنا أحمل توجسًا صغيرًا في صدري؛ ذلك الشعور الذي يهمس لك بأن المفاجآت لم تنته بعد. كنت أخشى أن أصل فأسمع العبارة ذاتها: أُلغيت الرحلة.
كنت أتحدث مع العاملين ببرود شديد بسبب عدم إرسال أي تنبيه عن إلغاء الرحلة أو تغيير وقتها، وكان الرد واحدًا:
"نحن لا علاقة لنا… تواصلي مع الكول سنتر".
ولا يعرفون أنني تواصلت بالفعل، لكن لا حياة لمن تنادي.
المهم، انتهت الإجراءات، وانتظرت في أحد المقاهي أنا وأولادي. ولا يزال القلق يرافقني، وربما لم يفارقني منذ الليلة التي تأجلت فيها رحلتي الأولى.
وعندما وصلنا إلى بوابة الصعود، حدث ما لم يكن في الحسبان. توقفت الإجراءات لأن المقاعد الموضوعة لأبنائي كانت بجوار باب الطوارئ. نظر إليّ الموظف وكأن الخطأ مني، فقلت له بهدوء: "أنا لم أضع المقاعد، أنتم من أكمل هذه الإجراءات".
انتظرت قليلًا بينما يحاول إعادة ترتيب المقاعد. كان الممر مزدحمًا، والطائرة تبدو ممتلئة، والركاب يمرقون من أمامي وكأنهم يقولون لي وداعًا. شعرت أنني آخر المغادرين، وفي تلك اللحظات كان القلق يمشي معي خطوة بخطوة.
أخيرًا مدّ لي بورقة البوردنج الجديدة، فأسرعنا الخطى نحو الطائرة. دخلنا ولله الحمد، وهناك لفت انتباهي وجود شخصية في مقاعد كبار الشخصيات، هو السيد يوسف بن علوي. عندها شعرت أن الرحلة التي بدأت بكل ذلك التوتر انتهت بلحظة دهشة جميلة. هذه الشخصية التي لها حضور كبير في التاريخ السياسي العُماني.
ورفعت بصري لأرى وجهًا مألوفًا؛ بدا لي أنه الكاتب عبدالرزاق الربيعي. ابتسمت للفكرة، فالأدب ظهر فجأة في مقعد قريب.
لكنني كنت أرفع رأسي بين حين وآخر لأتأكد: هل هو عبد الرزاق فعلًا أم خُيّل إليّ؟ فأنا لم أرَ هذه القامة إلا عبر التلفاز أو وسائل التواصل الاجتماعي، لذلك لم أكن متأكدة تمامًا.
فكرت في نفسي: كم كنت أتمنى لو أجد فرصة قصيرة لأحييهما، أو أقول كلمة عابرة عن الكتابة والسفر والصدف التي تجمع النَّاس في مكان واحد.
أحيانًا تتأخر الرحلات، وتتكدس المواقف الصغيرة المزعجة، لكن الحياة – بخفة غير متوقعة – تضع في نهاية الطريق لحظة تبتسم لها، فتدرك أن الرحلة لم تكن مجرد انتقال بين مدينتين، بل حكاية صغيرة تستحق أن تُروى.
