المِسبحة

 

وداد الإسطنبولي

تنفُّس قلمي هذا الصباح كان مُرًّا، شعور الألم ما زال حاضرًا، رغم أنّ هذا الألم لم يَنتسِ.

خلفية المشهد دائمة بألوان غروبية، وهذه بعض مشاهدنا على مسرح الحياة.. ذكريات ترقص كالدمى، ونحن تلك الخيوط المتحركة نمثل الواقع الحي.

هذا الأنين الذي اجتاح أصبوحتي حرّك ذكرى المفارق، وتلك الروح التي أنا نبضتُ داخلها واحتضنتُ جوفها وتكوّنتُ منها وخرجتُ إلى الدنيا. الآن اتضح صدق المقولة التي تقول: "يذهب المرء من الدنيا ولا يحمل شيئًا إلا من ثلاث، منها ولد صالح يدعو له".

فرحل المفارق، وأصبحتُ أنا المفتاح الذي تحتاج إليه تلك الروح.

ولكن.. ما سالفة الصباح الذي أعاد إلى نفسي شعور الألم؟

إنها مِسبحة أمي التي تتكون من ألف حبّة، المِسبحة التي لازمتها في صلواتها المفروضة والنافلة. لستُ أثني على أُمي، فهي قد آثرت على نفسها بأعمال بين الناس، ولا أريد مدحها لأنكم قد تقولون: كلٌّ يمدح أهله. ومهما تحدثتُ عنها لن تصدقوني، وهناك من سيقول: إنها لم تأتِ من الجنة إلا لمن يعرفها.

في عيني، فوالله ملاك خُلق بخليط غريب وعجيب، صاغها المولى ملاكًا.

قبل وفاتها بأسبوع ارتفع ضغطها فجأة، رغم أننا قدّمنا لها كل سبل الراحة. وقبلها كانت راقدة في مستشفى “خط الحياة”، فكان هذا أول بداية الخيط وإشارة للرحيل ونحن لا نعلم. مكثت أسبوعين ثم خرجت، بعدها ارتفع الضغط مرة أخرى، فقد كان الموت يلبسها ثوب الضغط ليكون سببًا للرحيل. ركض بها أخي إلى مستشفى السلطان قابوس بصلالة، وأسرعوا بأوراق الترقيد. قضينا معها الليلة كاملة، نحيط بها نحن الأبناء والبنات، وكانت تنظر إلينا مبتسمة وتتحدث، ناسية أمر ارتفاع الضغط، وكأنها تقول بعينيها: "أريد أن أقضي أكبر قدر معكم".

وصدق حدسها؛ ففي آخر الليل دخلت أمي في غيبوبة. لم نعد نرى بريق عينيها، فقط أصبحنا نسمع تنفّسها الهادئ وكأنها نائمة في سبات. كانت المفاجأة كبيرة علينا، وصرخة مؤلمة، فقد استوعبنا أن حركاتها البهلوانية الممتعة قبل لم تكن إلا وداعًا لنا، لأنها ستنام نومًا طويلًا.

أسبوع كامل كنّا نحدثها ونخبرها بتفاصيل الأحداث، نمسح على رأسها، ونقرأ القرآن، ونشعر بوجودها؛ لأنها كانت تتنفس تارة بهدوء، وتارة أخرى كان تنفّسها مسموعًا بشدة. هناك خيط يربطنا بها وهي على فرشتها البيضاء، سقاية حبها الصادق لنا خالدة بتذكّرها.

هنا تذكرت أختي المِسبحة، فجاءت بها وقربت من أذن أمي وقالت: “أمي، لو كنتِ تشعرين، سنضع مسبحتك بين أصابعك، سبّحي كما كنتِ تسبحين".

توقفنا دقائق نراقب، وبدأت أمي تحرك ببطء حبّات المِسبحة. لن أخبركم مدى شعورنا، لأنه فيلم درامي تراجيدي، لا يوصفه قلم.

كانت ملامح أمي تبتسم إذا جئنا، وكأنها تقول: "أنا هنا أسمعكم". وتشعر بنا كلما قبّلنا يديها، تتنفس بقوة كأنها تشمّ روائحنا، وتضغط على أيدينا إذا طبطبنا عليها. مشاهد عالقة إلى الآن، صعب نسيانها من الذاكرة.

ماذا أقول؟ وماذا أكتب؟ وهل تعلمون ما هو شعوري الآن وأنا أزف إليكم هذه الأحداث؟

أقول لأمي: "فاتك أمور كثيرة: أعياد، أحزان، أفراح.. وأظلم نهار حب بذكراك. كان يومي مُرًّا، يعتذر معه الألم، ولكن الحمد لله على ما أعطى، ولله ما أخذ. رحمكِ الله يا أمي".

الأكثر قراءة

z